تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
هذه التي اكتنفها الأعداء من كل ناحية . ولا يقوم الجنود الا بالأموال ، ولا يستظهر الأموال الا بما كثر منها . ولست بأوّل من جمع واستكثر منها ، وقد استيقنت ان آبائي الماضين قد كانوا جمعوا منها أكثر مما جمعت ، فكثروها ، ليكون ظهيرا على تقوية جنودهم ، وإقامة أمورهم وقد بلغني انّك هممت برذالة عقلك ، وضعف نحيزتك تبذير تلك الأموال وتفريقها ، وقبلت في ذلك رأى الاسوار السفهاء الأرذال . فاعقل ، ثكلتك امّك ، ولا تخلّ بملكك ، ولا توهنن سلطانك بتبذير مالك ، فإنها لم تجمع الا بشدة وجهد ، لندفع به الأعداء المكتنفين ببلادنا . واعلم انّ آباءنا الماضين ، كانوا أقوى منّا ، وأعظم سلطانا ، فلم يقدروا على ردّ . واعلم أنّ المال كهف الملك ، وعون على العدو ، وركن شديد ومقمعة للمناوين . وانّك متى ما بذّرتها ؛ صارت في يدي أعدائك الذين يضمرون لك البغضة ، ويظهرون لك المحّبة ، فتعينهم على نفسك ، تقويّهم على حربك والخلاف عليك . وقد سبق في ذلك قول العلماء والحكماء الماضين حين قالوا : لا ينبغي الذي عقل ان يأمن العدوّ المثرى . وقد أحببنا مع معرفتنا بطرحك مشورتنا لاستحواذ الفىء عليك ان نؤدّ إليك منها ما يلزمنا تأديته . فمن مشورتنا عليك ان لا ترفع من لا حسب له ، ولا أدب عنده ، لمن يبادر الناس في طلب الآداب ، ولم ينتفع أهل الآداب بأذنهم ، ولم يقسطوا بما أفادوا من عقولهم ، ولم ينتفع أهل الشرف شرفهم ، وتعطّلت الآداب والشرف . لانّ أهل الأدب موكل بهم المكافآت ، وأهل الشرف موكّل بهم الشكر لذوي الصنائع إليهم . واعلم انّ الملك لا يقوم الابثلاث : أحدهم شكر الرعية لملوكهم ، وحرصهم على سلاحهم وبذل أنفسهم دونهم . والثانية بمشورة النصحاء ذوى الألباب والعقول والآداب . والثالثة بالمال الكثير . وقد كان فرميش « 1 » كتب إلى جدنا كسرى أنوشروان من فرميش ملك الهند ، اما بعد فان بلادك ومملكتك تشبه بباغ عامر كثير الشّجر طيّب الثمر ، وقد أحاط به سور حصين ، وعلقّ عليه باب وثيق ، واكتنفه أعداء اعراب جاهلون . فلن يصلوا إلى شئ من ثمره ما دام حائطه حصينا وبابه وثيقا . وان كان الحافظون له والذابّون عنه ذوي ضعف ووهن ، فإذا تهدّمت حيطانه ، وانكسر بابه ؛ لم يقدر الأقوياء من الحفاظ على حفظه وضبط ثماره ولا دفع الأعداء عنه ، بل لا يؤمن من أن ترعى فيه البقر والحمير والأغنام . وانما اعني بحيطان المملكة جنودها ، واعني بالأموال الأبواب . ولا تهدم لا امّ لك حيطان هذه المملكة ، ولا تسكر أبوابها بتبذير هذه الأموال المجتمعة ، ومن يقوم مقامك من أهلك . واما ما ذكرت من انعام قيصر ملك الروم وحسن بلايه عندي . ثم منعى ابنه خشبة الصليب
هامش
( 1 ) . ص : قرميس