تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
عن مقة ومودّة ! الا ان مثلي الذي استنكرت من استلامتى « 1 » بسلاحى كالرجل الجالس على شرابه الذي انّما حسنه وزينته ان يكون في يده الجام ، وإكليل ريحان على فراشه ، وآس يكون بين يديه ، وكذلك كما لا احبّ ان اخلو من سلاحي . فانّه جمالى ، وان كنت اعلم أن أحدا لا يجسر ان يعرج في اخراج كسرى من يدي . قال الكاتب . انّك لموفقّ في مقالك ، مصيب في هيبتك ، آخذ بالوثيقة . فقد جئت لا بلغ كسرى رسالة شيرويه الملك ، فأدخلنى عليه ! فدخل جيلوس إلى كسرى ، وقال : عمّرك الله ان أستاذ جشسنس رئيس كتاب الرسائل بالباب ، ويذكر ان الملك شيرويه أرسل برسالة . فهو يستأذن عليك ، فرأيك في الاذن له ؟ فتبّسم كسرى ، وقال : ان كانت الرسائل من شيرويه الملك ، فليس لنا مع ملكه اذن ، وان كان لنا اذن وحجاب ، فليس شيرويه بملك . ولكن المثل في ذلك كما قال : ان الله تعالى يشاء « 2 » الشئ ، فيكون ، ويأمر الملك بأمر فربما لم يكن . فأذن للرسول . فخرج جيلوس ، وقال : قم ، فادخل راشدا . فنهض الرسول ، فخلع عنه كساء بركانيا لابسه ، وأخرج من كمه خرقة حرير ، فتقدم بها . ثم دخل على كسرى جالسا على ثلاثة أنماط ديباج خسروانى « 3 » منسوجه بالذهب ، وفوقها بساط إبريسم متكئا على ثلاث وسائد ، خزاحمر ، وبيده سفرجلة صفراء مستديرة . فلما وقف بين يديه أستاذ جشنس ؛ ترّبع جالسا ، ووضع السفرجلة على تكأته ، فتدحرجت السفرجلة ، حتّى صارت في تدحرجها إلى الأرض وتلطّخت بالتراب . فتناولها أستاذ جشنس ، ومسح التراب عنها ، وأقبل بها ليضعها بين يدي كسرى . فأشار اليه كسرى لا حاجة لي فيها ، فوضعها على طرف البساط ، ثم عاد ، فقام مقامه . فنكس كسرى ، فقال متمثّلا : انّ الأمور إذا أدبرت ، أعيت الحيل في اقبالها ؛ وإذا أقبلت ، أعيت الحيل في ادبارها . وهذان أمران متداولان على ذهاب الحيل . ثم قال للرسول : ان هذه السفرجلة سقطت من الوسايد إلى البساط ، وتد حرجت من البساط إلى الأنماط ، فلم يلبث على الأنماط ان تدحرجت ، حتّى صارت إلى الأرض وتلطّخت بالتراب . وذلك دليل بالفأل ، ان قد سلبنا الملك : ثم لا يلبث في عقبنا الا يسيرا ، حتّى يفضى إلى غيرنا . فدونك بما عنيت به ، وبعثت فيه . فاندفع أستاذ جشنس فأبلغه رسالة شيرويه ، ولم يغادر منها حرفا . فقال كسرى : بلغ عنى شيرويه القصير العمر : انّه ينبغي لذي عقل ان يعيب على ذنب حتّى يضبط نفسه عن الذنوب والجرائم . ولو كنّا أيضا كما وصفنا به ، لم نكن جديرا بتأنيبنا على حالتنا هذه التي نحن عليه .
هامش
( 1 ) . النهاية : استلامى ( 2 ) . النهاية : كما قال اللّه تبارك وتعالى يشاء ( 3 ) . الطبري 1048 ، الثعالبي 719 ، شاه نامه 9 : 259 ترجمه 2 : 252