قد تفرّست في بنى وفيه * فإذا الامر ليس بالمتدانى
فله الفضل والجمال وفي العقل * وحظّ من مخبر ولسان
فلئن تمّ ما اؤمل فيه * ماله في بنى الملوك مدانى
ثم استخلفه المنذر على ملكه ، وكتب إلى كسرى يعلمه ذلك ، ثم توفّى المنذر . فبعث كسرى إلى جميع ولد المنذر ، فرأى فتيانا لهم رواء وجمال . فقال لواحد بعد الآخر منهم :
ان انا وليّتك ملك أبيك ، فبغت عليك اخوتك ؛ ما أنت صانع ! فيفحم ، ولا يرد في ذلك شيئا ، حتّى انتهى إلى النعمان ، فقال له مثل ذلك . فقال النعمان ان عجزت عن تقويم اخوتى ، فأنا عن غيرهم اعجز . فأعجب كسرى مقالته ، ورأى شابا كشعلة نار تتّقد . فقال لعدىّ بن زيد العبادي وكان ترجمانا بينه وبين العرب وكاتبه بالعربية ، وسأله عن امر هذا الفتى . فقال عدىّ : ان امّه ابنة عطيّة الصائغ ، وكان رجلا من أبناء العجم من أهل فارس ، ووقع إلى تيماء ، فاتخذها دارا ، وأقام بها ، وولد له امّ هذا الغلام بها ، وهي سلمى بنت عطيّة . قال كسرى فمن هناك أوتي هذه الصرامة والركانة والعقل والجمال . فما ترى فيه يا عدىّ ؟ فقال عدىّ : الرأي للملك ان ينفذ له ما بصرو دبّر فيه أبوه ، فلا أحد ابصر من الآباء بالأبناء . وليس في اخوته مثله ، ولا فيهم أقوم بالامر منه . فتوّجه كسرى ، وخلع عليه خلعة من لبوسه ، وردّه إلى الحيرة ، فقام بالتدبير .
حديث قوس حاجب
وان كسرى أراد ان يوجّه غيره إلى سوق عكاظ ببلاد العرب إذا ذاك . وكانت سوق عكاظ أعظم سوق من أسواق العرب ، وكانت العرب تصير إليها من أقطار ارضيها ، فيبيعون ويشترون . وكانت تكون ثلاثة أيام متوالية ، في كل عامل مرة . فأحب كسرى ان يوجّه إلى تلك السوق لطايم قيمتها ثمانية الف ألف درهم ، لتباع هناك ، ويشترى بها خيلا عرابا وإبلا وحلل اليمن والسيوف اليمانية وورسا وأدما . فخاف ان يتعرض للعير بعض احياء العرب . فيأخذها . فكتب إلى النعمان يأمره ان يوجّه اليه من يحضر بابه من اشراف العرب .
فوجه النعمان حاجب ابن زراة التميمي وربيع بن زياد العبسي والحرث بن ظالم المرى ، وقيس بن مسعود الشيباني . فساروا حتى وافوا المدائن ، ودخلوا على كسرى . فقرب مجالسهم ، واظهر السرور بقدومهم ، وقال : انى أريد ان اوّجه لطايم إلى سوق عكاظ ،