جنوده ، فطعموا وشربوا . ثم دعا كرديا أخا بهرام فزوجّها ايّاه ، وامر لها بخاتم فضة من الكبريت الاحمرء ، يضئ في الظلمة كما يضئ السراج ، قيمته ما لا يعلم الا اللّه . فلما ثمل جنوده ، وطربوا ؛ اخرجوا إلى دار كردية ، فوافوها بالملاهي والهدايا الفاخرة . فلما دخل بها كسرى ، ونظر إلى جمالها وعقلها ؛ سرّ بذلك ، فأعطاها الأموال ، وأقطعها الضياع ، وأكرم أخاها كرديا ، وولّاه ارض فارس ، وبلغ من رفعته ايّاه وتشريفه له ما يبلغه أحد من قبله ولا من قبله من بعده . وأقام كسرى بالمدائن مطمئنّا ، وانّه دخل يوما مقصورة كردية ، فجلس عندها ، ولم يكن يملّها حبّالها . فقال لها : يا حبيبتي فسّرى لي كيف قتلت برتغ أخا خاقان ! ففسرت له الامر على وجهه وحديثه بما كان من عشقه لها . فلما فرغت من ذلك قال : يا حبيبتي ، قد فهمت امر برتغ ، فأحبّ ان تحكى لي امر قتلك بسطاما ، وكيف كان تأتّيك لذلك . فجعلت تحدّثه بما كان منها إلى بسطام ، وما أظهرت له من اللّطف في تلك الليلة ، وسقيها ايّاه النبيذ الصرف ، وما كان من قيامها اليه ، حتى جعلت السيف في ثندوته « 1 » . ثم قالت : يا سيدي اخرج بنا إلى الميدان الذي في القصر ، فالعب بالكرة . فقام معها حتّى سار إلى الميدان ، وأحضر امرأته شيرين ونساء من خاصّة نسائه . ثمّ دعا بخيل فأسرجت له ، وكرة وصوالجه ، فجعل يلاعبها . ثم تناولت السيف ، وركضت في الميدان ، وهي تلعب بالسيف لعبا عجبا . ثم انصرفت ، وتناولت الرمح ، فلعبت بذلك الرمح أيضا .
فقالت شيرين : ايّها الملك ما يؤمنك من هذه الشيّطانة المرححة « 2 » ؟ فقال هيهات ، انّها اعرف بحقنا ، وأشد حبّا لنا من أن نخافها على أنفسنا . ثم انصرفت من أقصى الميدان ، وهي تلعب على فرسها تنغر وتصيح ، حتى وقفت على كسرى فوثبت وثبة ، فصارت قائمه في الأرض . فازداد بها كسرى عجبا ولها مقة ثم قال : ما كنت احسب انّ امرأة في الأرض على فروسيتّك ، ولنا في كل ربع من أرباع مملكتنا قائد في اثنى عشر الف رجل ، وفي قصرى اثنا عشر الف امرأة وجعلتك قائدة عليهن ان بلغ من فروسيتك ما أرى . قالت يا سيدي : ما للنساء والفروسيّة ، وانما علينا ان نتزيّن لك ، ونتطيّب ونسرّك بأنفسنا . وانّما أردت بما كان منى من اللعب بهذا الميدان لاسرّك واسلّى همومك « 3 » . ثم امر بغدائه وشرابه ، فحمل في ذلك إلى منزلها ، فبقى ذلك اليوم عندها . قالوا ولما استدف الامر لكسرى بن هرمزد ، سمّته العجم ابرويز ، يقولون فيروز « 4 » من بهرام جوبين إلى قيصر ملك
هامش
( 1 ) . النهاية : إليه بالسيف حتى جعلته في سرّته
( 2 ) . النهاية : المترجلة
( 3 ) . النهاية لنسرك باللعب ونسلي همومك ونواسيك بأنفسنا
( 4 ) . ص : فرور ، النهاية : فروز