الدّر وأواني الجزع وحلل اليمن والورس الأحمر والسيوف اليمانيّة والخيل والإبل العربىّ ، فدخل عليه ، وعنده وفود ملك الصين ، ووفود ملك الهند ، ورسل ملك الأتراك ، وأخو قيصر ملك الروم . فأفاضوا في الحديث ، وذكروا بلدانهم ، وافتخروا بقومهم ، وبقوّة ملوكهم وكثرة جنودهم ، وطيب بلدانهم ، وكثرة خير اقاليمهم . فتكلم النعمان ؛ فافتخر على جماعتهم بالعرب وغيرها وسنائها وجودها وشرفها ، وبحبوحة دارها وكرمها وحسن وجوهها ورصانة عقولها وحكمتها في اشعارها . فلم يثن على ولا بأهل مملكته .
فأخذت كسرى العزّة « 1 » ، فقال : يا بن المنذر ، قد فكرت في جميع الأمم وميزت جميع الأرضين . ورأيت الروم لها حظّا في اجتماعها ، وكثرة مدائنها ، وحسن بنائها ، ولها مع ذلك دين يحلّل حلالها ويحرّم حرامها ، وملك يجمع لها أمورها ، ويحميها من عدوّها ، ويأخذ من قويّها لضعيفها . وأهل الهند لها حظ في حكمتها وعزائمها ورقاها وكثرة عطرها وأنواع طيب بلادها ، ولها ايضادين يحلّل حلالها ويحرّم حرامها ، وملك يجمع لها قواصيها « 2 » ويلي الحكومة بينها ويمنعها من عدوها . وكذلك الصين في صناع أيديها ونهمتها في آلة الحرب وحسن صنعة الحديد ، ولها أيضا دين يحلّل حلالها ويحّرم حرامها ، وملك يجمع قواصيها ويدبر لها أمورها . وكذلك الخزر والأتراك لها شدّة ونجدة وفروسية . ولهما ملكان يتوارثان الملك غابر عن سالف ، ويحميان أراضيها ويأخذان على أيدي سفهائها . ولست أرى للعرب شيئا من ذلك . وانّ مما يدلّ على صغر همّتهم ورضاهم ببلادهم الّتى هم بها من تلك البوادي والقفار والبراري والسهوب « 3 » مع الوحوش النافرة والسباع الضارية ، يقتلون أولادهم من الحاجة ، ويغزون بعضهم بعضا من الفاقة . قد خرجوا من مطاعم الدنيا ومشاربهم ولهوها ولذاتها ، وأفضل طعامهم لحوم الإبل التي يعافها لزهومتها ولقذرها كثير من الطير والسباع . وان أحدهم ليقرى الضّيف يوما واحدا في دهره ، فيقيم في ذلك ، ويشبع الشبعة الواحدة في عمره ، فيجدها غنما .
فصال بذلك شعراؤهم ، وافتخر به مفاخرهم ، خلا أرض اليمن ، فان جدّي كسرى انوشيروان سنّ لها اجتماع الفقهاء ونصب لها مملكتها ، فجرى بها ذلك إلى الآن . ولها شئ من الأثاث واللبوس والحصون وقرى وأمور تشبه بعض أمور الناس ، لا تسكتون على ما بكم من الفقر والفافة ، حتى تنزلوا أنفسكم فوق مراتب الناس .
فقال النعمان : ايّها الملك ، ان عندي جوابا لكل ما نطق به الملك من غير تكذيب له
و
هامش
( 1 ) . الصحيح : الغيرة
( 2 ) . النهاية : اقاصيها وادانيها
( 3 ) . الصحيح : السّهول