افسح امل وانفذ بصيرة . وان أردت الانصراف إلى ولايتك ؛ فانصرف إليها راشدا ، وأقم في سلطانك . واخسأ عنك شيطانك ، وارجع إلى الطاعة ، ودع عنك التمادي في المعصية . فقد كان لك في بهرام معتبرا حين طغى وبغى والسّلام .
فلما وصل كتابه إلى بسطام ، كتب اليه في الجواب :
بسم الله وليّ الرحمة من بسطام بن شهر بنداد إلى الغادر بن الغادر . سلام على الموفين بالعهود المتمسكين بحبل العقود . امّا بعد فقد وصل كتابك ، وفهمت ما سطرت فيه من خديعتك ، وخبرت من مكيدتك ، كأنك تخاطب أحمق ، أو تنادى اخرق . وكأني لست بسطاما الذي حنكته الدهور ، وعنى بتجريب الأمور . ويلك أنساك الشيطان خلاص اخى ايّاك حين آواك ، ونجّاك بدير الرهبان ، فبذل نفسه دونك ، حين أحاطت المنون بك ، وحين اخذ بخناقك ، فضاقت بك ارضك وسماؤك ، فكان جزاؤه منك ما فعلت . أوليس انما قتل أباك ليوطّد ملكك ، ويشيّد سلطانك . ثم تكتب الىّ تسألني ان اقدم عليك ، أم ارجع إلى سلطاني . تبالك وبعدا ! لقد غرب « 1 » رأيك ، ونأى عقلك في محاولتك خديعتى ، وتأميل نفسك ان تصطادنى . واما ما ذكرت انّى صرت إلى الغدرة أصحاب بهرام ، فماهم بغدرة ، بل الغادر أنت وأبوك كان من قبلك . واما قولك انّى خرجت بهرام إلى ارضك ، بل ارض لله يورثها من يشاء من عباده . فأربع ويحك على نفسك ، وقدر شبرك بفترك ، ومت بغيظك ، وذق وبال امرك . فكأنّى بك ؛ وقد أنسيت بهرام وفعله بك ، واخذت بخناقك ، وضيق عليك ارضك وسماءك ، ان ساعدت المقادير واطّردت الأسباب . واعلموا يا بنى ساسان : انّ هذا الملك كان لجدّنا دارا بن دارا دونكم ، ولم يكن لساسان فيه شركة ولا نصيب ، وانى لأحقّ به منك . فان يكن ما أملت ، فذلك من الله . وان متّ قبل ذلك ، فانا راض بقضاء الله .
فلما وصل كتابه إلى كسرى ؛ أقلقه ذلك ، فعقد لثلاثة من أصحابه لكل واحد منهم على اثنى عشر الف فارس ، أحدهم النخارجان « 2 » ، والثاني سابور ابركان ، وكان عامله على الري والجبال . فلما خرج بسطام إلى دشبتي ، هرب منه ولحق بكسرى . والثالث هرمزد جزابزين . وامر هم فوضعوا لأصحابهم العطايا السنية ، وفرق فيهم السلاح والكراع . فسار من العراق ، حتّى جازوا عقبة همدان وسار بسطام مستقبلا لهم وعلى مقدمته مردانشينه ، وعلى ساقته يزد جشنس . فالتقى العسكران بسنجاس « 3 » ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، حتى كثرت
هامش
( 1 ) . الصحيح عزب
( 2 ) . النهاية : الناخرجان
( 3 ) . ص : ببسجاس ، النهاية ، بسنجاس