القتلى ، وكانت الغلبة لبسطام على القوّاد الثلاثة . فانهزموا على وجوههم نحو همدان ، واتبعهم بسطام في جنوده ، فاستلام « 1 » أولئك القواد بعضهم إلى بعض بهمدان . ثمّ التقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ، وحمل بسطام بنفسه مع قوّاده بجدّ واجتهاد على القوم ، حتّى هزموا جنود كسرى يخبرونه بضعفهم عن بسطام ونكول جنودهم عن الحرب . فنادى كسرى جنوده حتّى اجتمعوا ، فوضع لهم العطاء ، ثم خرج بنفسه في مائتي « 2 » الف رجل ، فسار نحو الجبل . وبلغ ذلك بسطاما ، فاستعد للحرب ، ووكّل بعقبة همدان خيلا لئلا يسلكها أحد . واقبل كسرى حتى وافى في أصحابه بالماهين . فغضب على القوّاد الثلاثة وجنودهم .
فاعتذروا اليه ، وقالوا : انّ القوم كانوا أكثر عددا منهم . فأقام باماهين ، حتّى أراح جنده وخيله ، ثمّ سار متمكّنا لعقبة همدان ، واخذ على رستاق شراهين ، فجاز حتى انتهى إلى ارض همدان ، فنزل قريبا من عسكر بسطام ، وخندق على نفسه . فمكث العسكران ايّاما لا يهيج أحد هما صاحبه . وان كسرى ارسل إلى بسطام يسأله الخروج اليه ، فتهيّأ للحرب ، وزحف الفريقان بعضهم إلى بعض . فالتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ، وصبر بعضهم ببعض .
فلم يزالوا كذلك ، حتى حال بينهم الليل . ثم خرجوا في اليوم الثاني ، فاقتتلوا حتى خاضت الخيل في الدماء . وباشر كسرى الحرب بنفسه . وترجّل الفريقان ، فلم يسمع الا وقع الحديد . فلم يزالوا كذلك حتى حال بينهم الليل . فانصرفوا إلى معسكرهم ، ثم دافعوا الحرب لمداواة الجرجى . وانّ كسرى لما أعياه بسطام دعا بكردى اخى بهرام جوبين ، وكان من خاصّة الناصحين له ، فقال : يا كردى قد ترى ما نزل بنا من بسطام ، وكم قد قتل منا .
وقد رأيت رأيا ان ناصحتنى فيه ، أرجو ان يظفرنى الله به . قال الكردي : وما ذاك ايّها الملك ، اخبرني فما من شئ ، يزيدك الله به عزّا ، ويزيد الله أعداءك به ذلّا ، الا بادرت اليه بنصح وصدق ، لعظيم حقك ، ووجوب طاعتك . قال كسرى : قد عرفت حال كردية أختك امرأة بسطام وجرأة قلبها وفروسيّتها . وانها قتلت بالأمس يرتغ أخا خاقان ملك الترك ، فهي احرى ان تقتل بسطاما ، ان آثرت ذلك ، لان بسطاما مسترسل إليها ، واثق بها ، وهو يأوي إليها كل ليلة إذا انصرف من الحرب ، وانا جاعل لها عهده الله وذمّة أنبيائه ورسله ان هي أراحتنى من بسطام ، واحتالت له ، حتى تقتله ، ان اتزوّجها ، واجعلها سيدة نسائي ، وأبلغ من اكرامها والسموّبها أفضل ما بلغ ملك بأمراة فما ترى ؟ قال كردى : ايّها الملك ، ما أشك في قدرتها عليه ، ان آثرت قتله . فاكتب لها بخطك ما رأيت الأوجه بالكتاب إليها ، مع امرأتي ارجيه ، فان لها عقلا ووفاء وبصيرة بحقّ الملك وطاعته ، ولست أثق بأحد غيرها .
هامش
( 1 ) . ص : فاستنام
( 2 ) . النهاية : مائة