فلما سمعوا ذلك ، قال بعضهم لبعض : لعمرنا لقد صدق بهرام . لقد أتينا أمرا عظيما .
فهلمّوا بنا لنتلافى التوبة من قريب . فتركوا كسرى واقفا ، وانحازوا جميعا عند ذلك إلى بهرام ، فلم يبق مع كسرى الا عشرة أنفار من ثقات أصحابه .
فقال بندويه عند ذلك : ايّها الملك : هل تقدر على قتال جميع أهل المملكة في عشرة أنفار ؟ الا ترى جميع جندك قد انحازوا إلى بهرام . انج بنفسك اليوم ، واهرب ! فلما سمع كسرى ذلك ؛ عطف موليّا ، ومعه أصحابه العشرة ، بالركض الشديد نحو المدائن ، حتّى انتهى إلى قنطرة كارسون « 1 » . فالتفت فإذا هو ببهرام قد لحقه على القنطرة . ثم انتزع قوسه ، وجذب من كنانته سهما بعدما أوتر قوسه « 2 » ، ووضع فيها نشابة ، حتى إذا دنا منه بهرام ، فكّر في نفسه ؛ فقال : ان رميته لم يحكّ « 3 » نشابى لكمال لامته ، وليس الرأي الا أن اقصد نحو دابته لاشغله عنّى ساعة . فرمى دابّته ولم يخط جبهته ، وغرقت النشّابة في وجه الدابة ، فاستدار فرسه ، فسقط ، وبقي بهرام راجلا . فتركه كسرى ، ومضى مسرعا لوجهه هاربا ، حتّى انتهى إلى المدينة العتيقة . ثم مضى من فوره ، حتّى اتى المدائن ، فدخل دار المملكة ، ووقف أصحابه على باب القصر ودخل كسرى على أبيه هرمزد في محبسه « 4 » .
فأخبره انّ جميع أهل المملكة قد انحازوا إلى بهرام ، ولم يعلم أن بهرام يريد ان يردّ الملك والأمر إلى أبيه . ثم قال : أبة إلى اين تأمرني ان أقصد ، هل ترى ان أسير إلى النعمان ابن المنذر بالحيرة ، فاستعين به على حرب بهرام ، فانّهم أقرب الأمم الينا ، أو اقصد غيره من الملوك . قال له أبوه : انى لست أرى ان تأتى النعمان ، لانى لا احسبه يقوم بنصرتك ، وليس عنده مال يعطى العرب . ولكنّى أرى ان تقصد ملك الروم قيصر ، فإنه سينجدك ويعينك ، وعنده أموال وسلاح ، ولا يستحلّ في دينه إذا استجار به انسان ان لا يجيره ، أو يستغيث به فلا يغيثه . فاقصد اليه وبادر قبل ان تقتل . فانكبّ على أبيه ، فقبّل يديه ورجليه ، ثم خرج إلى أصحابه باكيا ، فقال : انطلقوا على بركة الله نحو ارض الروم ! فقد أشار علىّ الملك بذلك .
فتهامس القوم بينهم ، وكسرى لا يسمع ما يقولون . ثمّ قالوا في ما بينهم : ان بهرام سيوافى غدا المدائن ، وسيجلس مع هرمزد فيه في الملك ، ويبعث في طلبنا من يلحقنا ويرّدنا ، وليس يخلص لنا الملك ما دام هرمزد حيّا . فقال لهم بندويه وبسطام خالا كسرى ابرويز : نحن نكفيكم ذلك . فانصرفوا نحودار المملكة والتفت كسرى فرآهما منصرفين . فقال اين تريدان ؟ قالا نمشى في حاجة لنا . فتقدّم أنت مع أصحابك ، فانّا لاحقان بك . فأقبلا حتى
هامش
( 1 ) . دينورى 90 : قنطرة جوذوز
( 2 ) . ص والنهاية : ثم أنزع قوسه واوترها
( 3 ) . النهاية : يعمل
( 4 ) . النهاية : مجلسه