ذوي احقاد كامنة وعداوة باطنة ، فجعلوا ذكر انوش زاد ذريعة إلى غشمنا ، ومرقاة إلى الوقيعة فينا ، ولم يحادروا « 1 » شيمتهم ، وما كان في طبعهم ؛ فلا ترخّص لاحد في مثل مقالهم ولا لأمثالهم في مثل فعالهم . والسلام .
ذكر المساحة ووضع الخراج عليها
قال عبد الله المقفع : كانت ملوك العجم قبل انوشيروان ، يأخذون مقاسمات الغلات في جميع مملكتهم ، النّصف والربع والخمس إلى العشر ، على قدر ريع الغلات ، وكثرة شرّبها من المدن ، وكذلك من النخل وسائر الثمر « 2 » ويأخذون من جزية الجماجم شيئا معروفا . فأمر قباد في آخر عمره بمساحة الأرضين في جميع مملكته ، ليضع الخراج عليها ؛ فمات القباد قبل ان تستتم تلك المسايح . فلما ملك ابنه انوشيروان ؛ امر باستتمام تلك المساحة ، وان يحصى النخل والزيتون ، وسائر الشجر المثمر ، وتعدّ الجماجم في جميع مملكته ، ليجعل ذلك رسما للخراج ، ويسقط تلك المقاسمات التي كان آباؤه يأخذونها من غلّات الناس ، ورجا ان يكون ذلك ارفق بالناس ، واصلح لامرهم ، وأقرب إلى النصفة بينهم ، وأوفر للفىء ؛ فأحكم له ذلك كله ، واستخرجوه واجملوه . ثم اذن للناس اذنا عامّا ، وامر رأس كتّاب الخراج ان يقرأ عليهم تلك الجمل المستخرجة من أصناف الغلات ، واحصاء الجماجم وعدد الأشجار . فلما قرىء ذلك عليهم ؛ جمعت له النمارق فارتفع فوقها ، وقام خطيبا ثم قال : يا ايّها الناس انّى فكّرت ، فيما كان من الملوك قبلي يأخذون من مقاسمات غلّاتكم ، على ما كانوا يأخذون من المقاسات ، على النصف والثلث والربع إلى العشر ، فرأيت ذلك ضيقا على قوم ورفاهية لآخرين . ولا يقوم الملك الا بالتسوية بين الرعيّة ، وان يكون القريب منها والبعيد في الحقّ سواء . وقد رأيت لما أحببت من صلاحكم والتسوية بينكم ، بان أضع عنكم ما كانت آباؤنا تأخذ من تلك المقاسمات ، وأجعل الخراج على رسم هذه المساحة والعدّ والحصاء ؛ فما ترون فيما رأيت من ذلك ؟
فسكت الناس جميعا ، ولم يجرؤ أحد منهم جوابا . ثم أعادها عليهم الثانية والثالثة ، فلم ينطق أحد منهم بكلمة . فقام رجل من عرض القوم ، فقال : ايّها الملك عمّرك الله ، ان رأيت أن لا تضع الخالد على الفاني ، فافعل . قال كسرى : بيّن ما تقول ؟ قال الرجل : قد بيّنت ذلك ايّها الملك ، وانا معيد ذلك ، وأقول : ان رأيت أن لا تضع الخالد الخراج الذي يبقى إلى
هامش
( 1 ) . تاريخ : تجاوزوا ، النهاية : يجادروا ؛ ويبدو الصحيح : يحاذروا ، من الحذر .
( 2 ) . تاريخ : المثمرات