تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦

قصة انوش زاد بن كسرى انوشيروان وخلعه طاعة أبيه

وانّ كسرى عند قفوله من ارض الشام في منصرفه إلى دار مملكته ، اعتّل علة شديدة ، فمال بجنوده وعساكره إلى مدينة الا مدية ، فأقام بها ، واشتدت العلة عليه فيها . وكان له ابن يسمى انوشزاد ، وكانت امّه نصرانيّة ذات جمال فائق ؛ فدعاها كسرى إلى ترك دينها ، والدخول في المجوسيّة ، فأبت عليه . فلما شّب ابنها انوشزاد ؛ لزم دين أمه ، وخالف دين أبيه . فغضب عليه أبوه ، وأمر به ، فنفى إلى مدينة جنديسابور ، وكانت امّه من أهل ملك البلدة . وحبس في سجنها ، وكان في ذلك السجن قيام « 1 » كثير من أهل الجرائم . فبلغ انوشزاد مرض أبيه بأرض الشام ، فأشاع بموت أبيه ، واستغوى من كان في ذلك السجن من النّاس ، فمالوا جميعا معه . وبعث إلى نصارى تلك المدينة يعلمهم انّ أباه مات ، وان قيصر كتب اليه يأمره بضبط ملك أبيه . فأجابوه إلى القيام معه . فكسر السجن ، وخرج في جميع من كان معه من الناس ، وانضمّ اليه جميع نصارى أهل تلك المدينة وقيام « 2 » من سفل المجوس واوغادهم ، ومال اليه من المرازبة والأساورة والمرتبيين « 3 » بالأهواز وكورها بشر كثير ، حتّى صار في زهاء ثلاثين الف فارس . فكتب خليفة كسرى ونائبه الذي في المدائن إلى كسرى يخبره بذلك . فكتب اليه في جوابه : بسم الله ولىّ الرحمة من كسرى بن قباد إلى الدبير بذ ؛ امّا بعد ، فقد قرئ كتابك ؛ وفهمت ما ذكرت : من نكث انوش زاد ، وشقاقه ، وضلال من يتابعه على رأيه ، من سقاط الناس واوغادهم ، ذي الخفة في الأحلام ، الناظرين إلى دول الأيام ، المسرعين إلى الفتن والمكثرين الإحن ، وعلمت أن ذلك ، لما رجوا من المنالة عند اضطرام نار الغواية . وكل الذّى اقتصصت قد فهمناه ، وما أرادوا به قد عرفناه . ونحن نستعين اللّه في جميع الأمور ، فنعم المولى ونعم النصير . فاما ما احدث انوشزاد من معصيتنا ومخالفة طاعتنا ؛ فليس موقع ذلك عندنا موقع مصيبة ، لكن بلّية بلينا به ، وعقوبة لاعمالنا . فحلّ عندنا محلّ خطيئته لايتعاظم عندنا قدرها . غير انّه امر بلينا به من ولدنا ، لقلة شكرنا لربنّا فيما ابلانا ، وضعف حمدنا ايّاه على ما أولانا . فبعث علينا بضعة من لحومنا ، وعظم من صميم أعظمنا لانبالى بما نال منّا ، ولا ما اختزل من أموالنا . وانّ ممّا يهّون علينا امر انوش زاد ، معرفة الناس ايّاه بطيش الرأي عند وقار الحلم ، وضعف العقدة « 4 » عند وثيقة الحزم ، وشدة الامهال في الضلالة والاثم ، وممالاة أهل الشقاء والجرم . وكلّ ذلك الدليل مبين لجهله ، قاطع للرجاء منه . وانّ ممّا يزيد امره عندي هو انا ،
هامش
( 1 ) . النهاية : قوم ، تاريخ : أقوام ، وهو الصحيح . ( 2 ) . الصحيح : أقوام ( 3 ) . النهاية : المربيين ، تاريخ : المرتبين ( 4 ) . النهاية : العقيدة