ان يجعل له من الغدر مكانا انّك لم تسمّ من أصحابه الذين تابعوه وجامعوه على امره أحدا يذكر نسبا ، ولا يعرف بوفاء ولا يرجع إلى حياء ولكنهم سقاط ادنياء وأوغاد اردياء اخطارهم صغيرة ، وأصولهم حقيرة . ليست لهم منازل فاضلة ، ولا أرحام واصلة . ان شهدوا ، لم يعرفوا ؛ وان غابوا ، لم ينفقدوا . سراع إلى الفتنة ، مع أهل الرداءة ، ليست لهم صعوبة شوكة ، وفيهم جبن عند مصدوقة ، ذبّار طعم « 1 » وفراش نار ، حربهم وشيكة الالتهاب ، سريعة الاخماد . والله مستأصل شأفتهم ، وواضع رايتهم . فتلك عادة الله في أمثالهم ، وفعله في أشباههم من أعدائنا وأعداء الله . فوجّه الجنود إلى انوش زاد ، حين لا جند ولا ملاذ ، وانكمش في حربه ، واحتل لأخذه ، لا محاولة لقتله ، وان تأتّا القضاء ويقتل قتلا ، فأهون دم طلّ ، وأهون عزيز ذّل .
واعلم ايّها الدبير بد ؛ انّه ليس شئ من الدنيا يخلص من أن يكون له شائبة ، وليس منه صفو الا ومعه كدر ، ولا يسر الا ومعه عسر . واللبيب يعلم انّ الدنيا لا يخلص صفوها ، ولا يدوم عفوها . غير انّ الامر الأعظم إذا استقام ، اغتفر ما كان من خلاله . ولو كان شئ يخلص من أن يكون له شائبه ، لكان الذي يأتي الأرض الميتة فيحييها ، والعطشة فيسقيها ، وكان ذلك النهار الذي يأتي الناس وقودا فيثقبهم ، وعميا فيضىء لهم . فكم من متأدّ بالغيث من بين مسافر ومتداع علته البنيان ، وكم في بروقه وسيوله من هلاك الناس والبهائم وكم يكون في النهار من المضرة في توقّد الهواجر ، وكم فيه من خوف الخائف الذي يفزع إلى هجوم الليل . وكذلك كلّ امر جسيم إذا كان نفعه خاصّا ، فهو بلاء عظيم . وإذا كان ضرّه خاصّا فهو نعمة عامّة . فاقرأ كتابي هذا على من قبلك من الجنود ، وشمّر في جندك ، ولا يهولنّك كثرة عدوّك من أصحاب انوش زاد ، ومن تابعه من أشقياء العباد ، فليست له شوكة تخشى ، ولا صولة تنقى . وكيف يتّقى النصرانىّ ؛ وفي دينهم : انّ الرجل لو لطم خدّه الأيسر ، لأمكن من الأيمن ، أو لطم الأيمن لأمكن من الأيسر . وما عسى ان يكون من شوكة الأوغاد الأرذال في العباد ، وليس لهم قدم في الوفاء ، ولا عقد بحبل الصفاء . فان استسلم انوش زاد في أصحابه ، فردّ من كان منهم في المحابس إلى محابسهم ، ولا تردّهم إلى ما كانوا من ضيق المحبس ونقص المطعم والملبس . ومن كان منهم المرازبة والأساورة ؛ فأضرب أعناقهم ، فانّهم أعداء الملوك ، وهم المستطيلون في نعمهم ، القليلون الشكر لرّبهم . ومن كان منهم من سفل الناس واوغادهم ؛ فخلّ سبيلهم . وفهمت ما ذكرت من عقوبتك كل من اظهر شيم انوش زاد ، وذكر امّه ، فقد أحسنت . فان أولئك
هامش
( 1 ) . النهاية وتاريخ : فهم ذباب طعام