تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
استوجب منهم الاستيثار عليه ، وازداد من مكافأته بعد أوان اكرام ذوى الدناءة من سوء الأدب . فإنه لا يخلو من ثلاث من جهل نفسه : مبارزة من فوقه ، وتطاول على من هو أفضل منه ، وكفر معروفا قد أسدي اليه ، فان ذلك لؤم من فعله ، وانا احذّرك ايّها الملك من هذه المرأة ، ان يصيبك منها أمر كما أصاب الجرذ من الحدأه . قال : وكيف كان ذلك ؟ قالت ابنة السائس : زعموا ان جزذا صحب قنبرة دهرا يفاوضها سره وينازعها حديثه وامره ، فلا يلهو بغيرها في خلواتها ، ولا تنازعه إلى سواها نفسه . فبينما القنبرة تلفظ ما تأكل ، إذ نظر إلى حدأة قد وقعت على ثلمة فقالت القنبرة للحدأة : ويحك أنت الدهر مطاطئة برأسك في الأرض لقذر تختطفيه أو لطائر أصغر منك تقتنصيه ، لا يوقّرك نزاهة وتراقبين معادا . فقالت لها الحدأة بأىّ شئ تتبجّحين علىّ ؟ قالت القنبرة التبجّج بعفّتى من طعمتك ونزاهتى عن سيرتك ، وافخر عليك بصاحب لي قد كفاني بتجربته ، وجادلى بمودّته ، لا يرى متابعة الصاحب ذلّا ولا الاعراض عن يسره عسرا « 1 » . فقد أباح لي ثمرة قلبه لبس النصيحة ، فاجتمع لي فيه الامن للمكاره والطمأنينة إلى وفائه . قالت له الحدأة : ومن صاحبك هذا ؟ قالت القنبرة : هو جرذ بموضع كذا وكذا . فوقع في نفس الحدأة ، فطارت حتى سقطت قريبا من مكان الجرذ ، فنادته ، وقالت : أيها الجرذ ، ان بك أشد الحاجة إلى صاحب من الطير أقوى من القنبرة . وما عسيت انّ القنبرة تعينك « 2 » فيه على دهرك مع صغر خلقتها ، أو تمتّعك « 3 » به مع ضعفها ؛ فان شئت صادقتك ، فرددت عليك فضل صيدى ، ولعلّى ان ازداد في معيشتى بفعلك . قال الجرذ للقنبرة : ا ما ترين ما تدعوني اليه هذه الحدأة من صحبتها ؟ فقالت القنبرة : انّ صحبت هذه الحدأة ؛ تركتك ، وما نازعت اليه ، حتى يرّدك تجربة الأصحاب وقد استبدلت براحة الوفاء مردود عاقبة الغدر . قال الجرذ : لعلىّ أجد عندها فضلا انصرف عنه . قالت القنبرة : فشأنك إذا . فاصطحب الجرذ الحدأة زمانا ، والحدأة تردّ فضل صيدها على الجرذ ، مقترحة ذلك منها . ثم انّ الحدأة استجاعت ذات يوم ، فلم تجد شيئا تأكله ، ولا يكفى الجرذ به لما عوّدته . فقالت محسّنة « 4 » لنفسها الغدر الذي جبلت عليه : ليس الجرذ من جنسي فأرحمه ، ولا من سباع الدّوابّ فأضعف عن أكله ، ولست ممن ينسب إلي الوفاء ، فيحسب « 5 » غدري به عليّ عارا ؛ فدنت منه ، فاختطفته ، لتأكله فقال الجرذ : لقد أسرع بك الغدر اليّ دونك ، وأقعدني ضعفي عن
هامش
( 1 ) . النهاية : عنى بره عزا ، تاريخ : عنى يسيره عزا ( 2 ) . النهاية : تغنيك ( 3 ) . النهاية : وتمنعك ( 4 ) . النهاية : محببة ( 5 ) . تاريخ : فيحتسب
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 293 | محمد تقى دانش پژوه / مؤلف مجهول