تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
يصبر من جانب السلوّ عزمه ، ولم يعزم من شايع التلهف على ما فاته ؛ فانّ كل فرع يرجع إلى أصله ، وكل وهن ينسب إلى سنخه . قالت : صدقت ، ودعى عنك كلام الأدب لأهله ، وانى ملكتك على رغم أنفك ، وانا مزوّجتك من فلان خادمي ، فليس عندك فضل عنه ، بل الفضل له عليك . قالت ابنه السائس : من اعتاد معالى الأمور ، لم تطلب « 1 » نفسه لأسافلها ؛ ومن صاحب العظماء ، أبت غريزته عن الأدنياء ؛ وانّما ترقبّت عطفك ورجوع لطفك ، ورجوت حسن نظرك ؛ فأما إذا عزمت على هذا ، فقد طاب الموت ؛ وما الذي استبقى منك . ثم قالت : ايّها الملك ؛ ان درك المسرة منك ، لا يستقر ولا يقع موقعها ، الا بعد نفى المخافة عنك ؛ فاحترس من هذه الهنديّة ، فانّها لا تؤمن عليك ، لانّها ليست من جنسك ؛ فيعطفها عليك الرّحم ، ولا من أهل مملكتك فتفرغ عليها طولك ، وانما هي سبيّة موتورة ، قد قتلت أباها ، وهدمت عزّها ؛ فاحترس منها ، ولا يلهينّك موقعها من قلبك عن جواز مكرها بك . فانّها متى أمكنت اغتيالك « 2 » وقتلتك ، ولم يكن في أيدينا من الظفر الا قتلها ، كما كان بين الثعلب وعظيم الطير . قال الملك : وما كان من حديثهما ؟ قالت : يقال فيما يضرب من الأمثال الماضية : انّ ثعلبا استجاع ليلا ، فرقى شجرة ، ليأكل من ثمرها . فسال الوادي الذي فيه الشجرة بسيل شديد ، فاقتلعها ، والثعلب فيها ، ثم رفعها رفعة السيل ، وخفضها حتّى ألفاها على ارض بعيدة من ارضه التي كان يعرفها ويكون فيها . فأصبح قد ألقاه الماء والموج إلى جبل « 3 » ، كثير الأشجار مثمرة الأغصان ، وعلى تلك الأشجار جنس من الطير كثير ، ولا يحصى عددا . فأقعى على صخرة نصبا مقشعرا ، سيئ الظنّ ، لا يعرف ارضه ، ولا يقدر على مؤالفة الدوابّ التي كانت تشايعه . فمرّ به عظيم الطير ؛ فقال له : من أنت ، فانى أنكرك في دوابّ جيلنا ، ولا أعرفك في سباع ارضنا ، وأراك صغير الخلقة منكر النظر ؟ قالت : انا دابة سال بي السّيل من ارض أخرى ، فألقاني في جبلكم هذا ، وقد أصبحت غريبا ، لا اعرف لي الفّا « 4 » ، ولا أستطيع رجوعا إلى ارضى ؛ لانّى لا اهتدى إلى الطريق ، ولا موافقة رفيق ، ولا اعرف المسلك فقال له عظيم الطّير : فهل لك حرفة أو صناعة تتعايش « 5 » منها ؟ قال : نعم ، اعرف الثمار إذا بلغت حدّ بلوغها ، وأدركت حّد أدركها ، واصنع للطير اكنانا في الأرض تكّنّ فيها افراخها من الريح والحّر والبرد . قال له عظيم الطير : قد أدركت عندنا بغيتك . فلربما عجّلنا الثمر ، فأكلناه قبل وقت نضجه ، فلا نجد له
هامش
( 1 ) . تاريخ : تطب ( 2 ) . تاريخ : ملكت وتمكنت احتيالك ، النهاية : اختالتك ( 3 ) . النهاية : وقد لقى روحه في جبل ( 4 ) . النهاية : لي ألفا ( 5 ) . تاريخ : تتعّيش