تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
لذة ولا طعما . ولربّما بقي على الشجر شئ لا نتعمده فيدرك ، فإذا اكلناه وجدنا له طعما غير ما أكلناه ، حتّى نتمّنى انّا عرفنا وقت ادراكه ، فلم نكن نعجل في أكله . ولربّما اصابتنا السماء ، فأهلكت فراخنا . ولربّما هبّت علينا السمايم ، فلا ينجو منّا الا القليل ، حتى نتمنى انّا وجدنا لها اكنانا تكنّها . فأقم معنا نواسيك بما قبلنا ، ونعرف حقّ مجاورتك ايانّا . فأقام الثعلب عند ذلك الطير ، فكان يعرّفهنّ الثمار المدركة من غير المدركة ، ويحفر لهن بمخالبه حفرا في الأرض ، فيفرخن فيها ، فيكنّ فراخها من المطر والسمايم ، فعرف له ذلك ملك الطير . ونشط الثعلب ، فكان إذا جنّه الليل وقرم إلى اللحم ، ادخل يده في جحر من تلك الاجحار ، فأخرج الطّير وفراخها ، فأكلها ، ودفن ريشها . وجعلت الطير تفقد ما يأكل واحدا بعد اخر . فقال بعضهن لبعض : ما فقدنا افاضلنا وافراخنا ، الّا منذ صارت هذه الدابة بين أظهرنا ؛ وما كانت هذه الطير تطيل الغيبة عنّا هكذا ، وما ندري ما دهاها ؟ فقال لها عظيمها : انّ هذا حسد منكّن لهذه الدابّة ، وهي لا تعقل شيئا ممّا ذكرتم ، ويعرفكم ما في الفاكهة من فضل المطعم ، وما فيه فراخكن من هذه الأكنان والأشجار التي لا تخاف معها عليها حّرا ولا بردا . فقالت الطير : أنت سيدّنا ، وأبصرنا بالأمور منّا . وانما شفقتنا من هذه الدابة المنكرة عليك ان تغتالك ، فتأكلك ، فلا يكون عندنا في ذلك حيلة الا قتلها ، ولا تنظر إلى تضرّعها لك ، فانّ التضّرع اشدّ المكايدة . فلما اكثرن على ملكهن في ذلك ، قال في نفسه : ما احسب هذا القول من هذه الطير الّا حسدا لهذا الثعلب ، وقلة شكره ؛ وسأقطع هذا القول منها عنه ، واختبر حق ذلك من باطله بنفسي ، واستبريه بيدي . فلما اظلمّ الليل ؛ نزل من الشجرة التي كان يأويها ، فدخل بعض تلك الأوكار التي حفرها للفراخ ، وكمن فيه ؛ فأقبل الثعلب إلى ذلك الوكر ، ليفعل ما كان يفعل بالفراخ وامّهاتها ، فأدخل يده في الجحر ، فقبض على رأسه ، فصار ملك الطير يفرقه . فقال للثعلب : لقد نصحتنى فيك الطير ، لو قبلت نصحها ! قال الثعلب : أنت هو ؟ قال : نعم . قال الثعلب : ما ظننت انه يبلغ من حمقك كلّ هذا . قال ملك الطير : فدعني « 1 » ، أدرك في منزلتك بحسب ما رأيت من فضل اعمالك ، ولطف حيلك قال له الثعلب : ان ابويّ ادّبانى ان لا يعلّق انيابى بشئ من الدوابّ والطير ، فأتر كه أو تعجزنى . أو ليس من جهلك ، ان لا تجتزئ « 2 » بالثمار ومن الأكنان لفراخ جنودك ، ما كان آباؤك يكتفون به ، ثم لم ترض حتّى اختبرت أمرى بنفسك ؛ ولم تجعل التغرير لغيرك ؛ ثمّ اكله ، ودفن ريشه . وفقدت الطير عظيمها ، فاحتوشت الثعلب ضربا بمخاليبها ومناقيرها ، حتى قتلته . ولم يصرن في عظيم خطر ملكهم إلى أكثر من قتل هذا
هامش
( 1 ) . تاريخ : اعف عنى ( 2 ) . تاريخ : تجز