تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
الثعلب . فاحترس من هذه الهندّية من قبل ان تقتلك بحيلها ، ثم لا تجد لها حيلة مع عظيم خطرك عندنا على أكثر من قتلها . قالت ابنة ملك الهند : ان تلك الطير أخلصت لملكها نصحها ، غير انّك فكّرت في ذلك ، ولفظت به لسوء « 1 » طاعتك وتهمة هواك ولؤم مغرسك ورداءة أصلك . وذلك انّه انّما تقّر المرأة عينها بأربعة رجال : بأبيها وأخيها وبعلها وولدها . فأفضل النساء المختارة بعلها على جميع أهلها ، والمؤثرة على نفسها ، فكيف ويذهب أبوها وأخوها وقومها ويبقى بعلها الذي منه ولدها ، فتحبّ ان تهلكه ؟ غير انّ مثلك في رداءة همتّك وخبث نيتّك مثل الغراب والحمامة . قالت وما كان من حديثهما ؟ قالت ابنة ملك الهند : زعموا ان غرابا قد كان ألف مطبخا لملك من الملوك ، وألفه الطبّاخون ، وتركوه يأكل ما كان يسقط من ذبائحهم ممّا لا ينتفع به . ففقد الطبّاخون بعض ما ادّخروا للملك من أطايب اللحمان ، فظنوا انّ الغراب أكله لقلة وفائه ولؤم جوهره فطردوه من مطبخهم وقالوا : ما نرجو بهذا الغراب ، وهو من الطير الذي يعتاف برؤيتها خوف الهلاك وبأصواتها فراق الاحبّة . فشكا ذلك الغراب امره إلى حمامة قد كان بينهما الفة ، وفزع إلى رأيها فيما ينوبه ، واخبر بما كان فيه من مطبخ ذلك الملك من نعيم يضم المأكل والمشرب وما حرم من ذلك عند طردهم ايّاه عنه . قالت له الحمامة : انطلق بي حتّى نرى هذا المطبخ الذي تذكره . فانطلق بها حتى اتى سطح المطبخ . فقالت الحمامة : انى أرى هذا البيت مرتجا ، ليس فيه موضع ادخل فيه ؛ فاحفرلى كوّة بمنقارك . بقدر ما ادخل فيه ، واخرج منه ، فان منقارى ضعيف . قال الغراب : وما تريدين بحفرى الكّوة في ذلك ؟ قالت الحمامة : لأخرج إليك بعض ما يقوتك فحفر الغراب في سقف البيت جحرا بمنقاره . فدخلت فيه الحمامة حتى توسّطت البيت ، فما عبأ الطباخون بها شيئا ، وأعجبهم حسن خلقها وصفاء لونها وطيب غذائها . فجعل لها خازن المطبخ موضعا تأوى اليه ، لاعجابه بها ؛ فلبثت في ذلك البيت قريرة العين . فناداها الغراب من ذلك الجحر ، وقال لها : ما هكذا وعدت من نفسك ؟ فقالت الحمامة : لو وفيت لك ، لحلّ بي غدرك . ولو أخرجت لك شيئا تتطعّم به ، منعت حظّى من جميعه ؛ وانما يشرك أهل الوفاء في عيشهم من وفّى لهم ولم يغترر بمنزلته منهم ؛ وانّ القوم عرفوا وفاي وحسن جواري ، وقلة غايلتى ، وعرفوا غدرك وقلة عهدك وكثرة شرهك « 2 » وكراهة منظرك وقبح صورتك ، وان لحمك لا يؤكل وجوارك لا تؤمن . فهذا مثلي ومثلك يا بنت السائس ، لو وفيت لك ؛ لاعدانى غدرك ، وقتلني مكرك . قالت ابنة السائس : من شغله ايثار غير ذي الفضل على نفسه ؛
هامش
( 1 ) . النهاية : لسيّئ ( 2 ) . تاريخ : شهوتك
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 292 | محمد تقى دانش پژوه / مؤلف مجهول