ذلك الأسد أكل أباها ، وكان أبوها غشوما لا يقوم له سبع . فقالت الجروة للضبعة : اين تكونين ؟ قالت أكون مع هذا الأسد الذي أكل أباك ، امشي في أثره ، وآكل من فضل فرائسه ، واعتّز بصحبته ، وقد الفني وأنس بقربي . فقالت لها الجروة : فكيف آنس بك « 1 » ، ولست من جنسه ، وأنت مختلفة الخلق قبيحة شوهاء عرجاء مشوّهة الخلق ؟ قالت : انّما اختارني بمؤاتاتي وقت هيجانه ، فاختارها بمؤاتاتها له وقت هيجانه . فقالت الجروة في نفسها : انا أحق بمؤانسته ، وأجمل لخلائقه من هذه الجثة النجسة « 2 » ثم أقبلت مدلّة بحسن منظرها ، وشدة قلبها ، حتّى انتهت إلى ذلك الأسد ؛ فوقفت ناحية لا تتقّدم منه . فقال لها الأسد : لقد دعاك إلى اتيانى أمران : اما ادلالا بقوّتك واما جهلا بي لصغرك . قالت : بل ، حسست قوة من نفسي ، وعلمت انى لا اصلح إلا لك . قال : فتجعلين اقدامى وجرأتي واكل السباع معي . قالت : انّ اقلّ مالك عندي ان ساعدتك « 3 » على امرك ، واتباع هواك ، وترك مخالفتك ، ان احتملت صغر سنى وقلة تجربتى . قال : من أدرك الأمور بالعين ، كفى التجارب ؛ ومن حفظ الأدب ، كفى العلم ؛ فان خالفت بعض امرى ، فاخف عنّى شخصك ، وما تابعك منّى ، فلا تجعله ذريعة إلى الجرأة علىّ ، فاردف ذلك علىّ عقابا . قالت : ما أضعفنى عن مكافأتك بما اكره . فأخبرني كيف وافقتك هذه الضبعة ، فأنزلتها المنزلة التي امّلت فيك ، مع مباينتك في الخلقة ، ومخالفتها في الشبه والصنعة ؟ فإذا كنت تكتفى بمؤالفتك كل سبع تابعك ، فاستغن عنّى بقرابتك القديمة ، واله « 4 » عن جروة ، واتركها تطلب قرينا يشاكلها ممن يعرف فضل نظيرته على مثل هذه الضبعة بنزاهته . قال لها الأسد :
حسبك من صحة عذرى ما ترينّ من نفار السباع ، وما زالت نفسي تنازعنى إلى قرينة تشبهنى ، وتنسب إلى جوهري . ولو عرفت انفرادك ؛ ما استطبت الحياة دونك ، ولا صفا عيشى لي إلا معك . قالت الجروة : انّ هذه الضبعة لن تنفكّ منتظرة التي اعتادت منك ؛ فلا خير في مشاركتها مع صحبتك ؛ فان أحببت ملازمتى لك ومساعدتى ايّاك على امرك ؛ فنحّ عنك هذه الضبعة التي لا تشاكلنى ولا تشاكلك ، ولا يليق صحبتها بمثلك ! قال الأسد : ذلك لك « 5 » فنحّى الضّبعة ، ولزم الجروة . فأنت ذلك الأسد ، وانا تلك الجروة ، وابنة السائس تلك الضبعة . فاشتدّ سروره بحسن المثل التي ضربته . ثم التزمها وقبّل فاها ؛ وقال : يا حبيبتي ، ما أخطأت في مثلك هذا شيئا من امرها . وبات معها الليلة الثالثة لا ينال
هامش
( 1 ) . ص : انسه بك ، تاريخ : انسك
( 2 ) . تاريخ : الخبيثة
( 3 ) . النهاية : بأنى مساعدتك
( 4 ) . تاريخ : دالة ، النهاية : لا توجه .
( 5 ) . النهاية : لكي