سرورا وفرحا إلى ابتهاج ، وجعل يتأمّلها ، فلا يشبع من النظر إلى وجهها عندما اجتمع له منها حسن مؤاتاة مع جمالها ، وطواعيتها في خلواتها . فقالت له : ايّها الملك انّك لتنظر الىّ نظر مستطرف « 1 » مع سرور حادث لم يكن في ما مضى . واعلم : انّ أحسن الحسن ما اعتقد حبّه في القلب . والحسن أنواع مختلفة ، فكل نوع منها كامل في صفته ، وأفضل « 2 » الأنواع كلها حسن المؤاتاة في الخلوة والقاء الحشمة . فانّ الرّجال يغتفرون مع ذلك كثيرا من العيب مع القبح ودناءة الأصل . فقال لها : ما أحسن وصفك ، فما أدرى اى فضل اعجل دون غيره ، لقد استعذبت منطقك ، وعلق بقلبي محبتك « 3 » ، واستحليت منظرك ، ونلت ما اهوى منك . ولقد كلفت بك ، وشغفت بحبك ، وأسفت على ما فاتنى منك . وانّ احمد « 4 » ايّامى عندي ، أيام أكون فيها عندك وأكبر ملكي منفعة عندي ، ما أمكن من قدرى « 5 » عليك .
فحدّثينى عن امرى وامر بنت السائس ، في غلبتها علىّ بلا جمال رائع ولا أصل بارع .
وليكن ذلك في مثل تضربينه لي . قالت : زعموا ان أسدا كان ببعض الأرضين السبعة ؛ فبلغ من غشم ذلك الأسد ، وشدّة قلبه ؛ انه كان لا يفترس الا السباع الضّارية . فكانت السباع تحاذر صولته وتجتنب مطاردته ، وتنذر بعضها بعضا قربه . وانّ ذلك الأسد ، ابصر ذات يوم في بعض جولانه سباعا مجتمعة ، وفيها ضبعة . فلما أبصرته تلك السباع ، تخلّفت هربا منه واسرع في طلبها . ثم مرّ بالضّبعة مجاوزا لها لا يلتفت إليها . فلمّا أعجزته السباع ؛ رجع إلى الضبعة ؛ فقال لها : لم تهربى منى ولست « 6 » من فرائسى . قالت الضّبعة : امّا إذ أعفيتني ، وارتفعت عن أكلى اليوم بعد طول عمرى ؛ فأنا تابعتك لآكل من فضول فرائسك ، واعزّ بمصاحبتك ، على انّى متعمدة جهدي لما باعدنى من سخطك ، وآتاني لما فيه رضاك .
قال لها الأسد : ما اخلق حظك ان فعلت ان يعظم . فلبثت الضّبعة مع ذلك الأسد دهرا ؛ حتّى إذا اهتاج كما يهتاج السباع ، كانت الليّوت يهربن منه مخافة على أنفسها منه . فلما اشتّد به الهيجان « 7 » ، قال للضّبعة : انّ فيك لشبها بالسباع ؛ ولقد اضطر لسبع يوافقني ، ولابّد من الصبر عليك مع لؤم أصلك واختلاف خلقتك وضعف نحيزتك ، إذ « 8 » خالفتنى السباع خوفا منّى . قالت له الضبعة : انما ردّك الىّ وحدتك ونفور نظائرك عنك ، واضطرارك إلى هيجانك ؛ فلبثت معه زمانا . ثمّ انّ تلك الضبعة لقيت في بعض تطوافها جروة أسد ؛ قد كان
هامش
( 1 ) . النهاية : مستظرف
( 2 ) . النهاية : وأحسن
( 3 ) . ص وتاريخ : مقتك
( 4 ) . النهاية : وإني لأحمد .
( 5 ) . ص : قدرتى .
( 6 ) . النهاية : لستى
( 7 ) . النهاية وتاريخ : الهياج
( 8 ) . تاريخ : إذا