تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
كانت مستترة « 1 » عن عينه . فإذا هبّت الريح ، بدا له منها بعضها حركة الغصون واضطراب الورق . فإذا بدت ، استطرف ما يبدو له من حسنها . وحملت اليه الريح عابق طيب من رائحتها . فلبث يراقب تلك الشجر ، إلى أن جنّه الليل ، فبات ذلك المكان لشدة صبابته بها واستحلائه لها . وجعل أصحابه يقفون اثره ، حتى انتهوا اليه ، حين أصبح « 2 » . فقال لهم : قفوا غير بعيد ، فان الشئ الذي حبسني عنكم امر كلفّت نفسي بطلب المخرج منه دونكم . ثم أراهم الشجرة ، وطفقوا ينظرون إليها . حتى إذا حرّكتها الريح ، لاحت لهم الثمرة . فقال ان هذه شجرة لا نظير لها في الشجر . فان قطعتها عن موضعها وحملتها وغرستها حيث أريد ، لا آمن ان لا يوافقها المواضع الذي اغرسها فيه ، وان يغلظ عليها ماؤه ويجفو عن عروقها تربته ، وان أقمت « 3 » عندها ؛ أخللت بملكى ، وفسد علىّ سلطاني . فقالوا له ان فسادها اصلح من فساد سلطانك ، فاقتعلها واغرسها مقابل عينيك ، فلعلها تسلم ، وتدرك محبتها « 4 » ، فيجتمع لك مع « 5 » صلاحك امرك . فتناول الملك معولا بيده ثم ضرب الصخرة النابتة فيها ، حتّى قلعها ، وأمكنه لقلعها قلع الشجرة النابتة فيها . فاقتلعها واحتملها ، حتّى اتى بستانه ، فغرسها فيه . فلمّا فقدت الشجرة اكلها ، وفارقت منبتها ، وباينت غذاءها ؛ فذبلت عروقها ، ويبست غصونها ، وانكفأ حسن ثمرها ، وذهبت رائحتها . فأعرض عند ذلك عنها ، وطمع في رجوعه ، ومؤالفتها التربة التي غرسها فيها لها . فلبثت بذلك « 6 » المكان حتى راجعت حسنا ، وطلع ثمرها . فقال الموكل « 7 » لها في نفسه انّى متى أخبرت الملك برجوع نضارتها ، ومعاودة حسنها ، لم آمن ان يلهو بها عن غيرها من الشجرة التي تولّيت غرسها . غير انّ الرأي ان اخبر الملك بيبوستها ، فلعّله يأمرني بقلعها . فدخل على الملك ، فنعاها له ، فأفزع الملك ، واقبل نحوها ، لينظر إليها شفقة منه عليها . فلما رآها على أحسن ما عهدها ، أضعف سروره بها ، بعد ان هجس في ضميره من الاياس منها . وكذلك انّما انا عاودنى فضلى ، وظهر ما فقد من مؤاتاتى عند انسى بك ، ومعرفتي بموضع هواك . ثم وثبت ، فاعتنقته ، وقبلت وجهه . فلما سمع الملك مقالتها ، وأصاب موافقة ما عندها ، وسربها ، واحبّ اظهار فضلها لها على ابنة السائس . ثم ملك نفسه . وكبح هواه ، ليختبرها في اليومين الباقين ، ويعرف هل لما اعجبه منها أصل ثابت ؟ فلبث معها يزداد بها كل يوم
هامش
( 1 ) . النهاية : باستتاره ( 2 ) . تاريخ : استقر ( 3 ) . النهاية : وقفت ( 4 ) . النهاية : محبتّك لها ( 5 ) . تاريخ : من ( 6 ) . تاريخ : من ( 7 ) . تاريخ : في ذلك