تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
البيعة ، وارتداده عن النصرانية . فلما مات ملك الروم سقط ما في أيدي جنوده ، وخافوا على أنفسهم ، لانّهم كانوا في بلاد عدوّهم . وقد كان سابور قوي أمره ، فمنع الميرة ، فضاق بهم ذرعا . فاجتمع البطارقة والعظماء إلى برسانوس ابن عم الملك ، فقالوا : هلم لنملّكك علينا ، لانّك أحق بهذا الامر « 1 » من غيرك . فأبى عليهم ، وقال : لست اتملّك على قوم لا يدينون بديني ، وكان على دين النصرانية . فقالت النصارى والاشراف : نحن على دينك ، وانما كنّا نداهن الملك ونرائيه على ما كان عليه . فأجابهم إلى ذلك ، فبايعوه ، ووضعوا على رأسه تاج الملك ، ومنحوه الطاعة . فبلغ ذلك سابور وهو بقنطرة جارز ، فأرسل إلى الروم ، ان اللّه قد قتل ملككم بظلمه لنا ، وافساده علينا ارضنا ، وشنّه الغارة في بلادنا ، وكذلك ارجوا ان يفعل اللّه بكم ، فقد تعدّيتم طوركم ، وتخطيّتم إلى ما ليس لكم . وانا مانع عنكم الميرة حتى تهلكوا من غير أن اهزّ في قتالكم سيفا ، ولا اشرع إليكم رمحا . فلما وصل الكتاب إلى برسانوس ، قال : انّي لا آمن على هذه الأرض بهلاك الملك ان يتجلّبوا علينا ، فيحولوا بيننا وبين رجوعنا إلى ارضنا ، ويميلوا علينا ، فيقتلونا . وبيني وبين سابور الملك مودة متقدمه ، وانا صائر بنفسي اليه ، حتى ادعوه إلى الصلح ، فنأمن على أنفسنا الهلاك ، وندفع عنا شرّ أهل هذه الأرض ، حتى نرجع « 2 » إلى مملكتنا سالمين . قال له بطارقته : انا لا نأمن عليك . فقال : لست أخاف على نفسي ذلك منه ، للمودةّ التّى بيني وبينه . ثم مضى إلى سابور في مائة فارس من عظماء بطارقته ، وعلى رأسه تاجه . وبلغ سابور مسيره إليه ، فاستقبله في مائة رجل من مرازبته . فلما التقيا ، ترجّل كل واحد منهما لصاحبه ، وعانق كل منهما صاحبه ، وكان كل منهما مبتهجا بصاحبه ، وتساء لا مليّا وسرّابه سرورا شديدا . وكتب إلى جموع الروم يستصوب لهم تمليكهم برسانوس ، واعلمهم انّه قد عفا عنهم . ولولا تمليكه ايّاهم ؛ لأجلب عليهم أهل مملكته ، ليقتلهم أجمعين . فاصطلحوا على أن يبعث سابور إلى الحرث بن عمرو بن ملك الغساني مائة ألف دينار دية الضيزن . وكان يقلب الحرث بن عمرو محرّقا لاحراقه من ناواه وخالفه وعصاه بالنار . وفيه يقول حسان شعرا :
ولدنا بني العنقاء وابني محرّق * فأكرم بنا خالا وأكرم بنا امّا
قال سابور لبرسانوس : ان الروم قد خربت ارضي وتخطّوا لي مدينتي التي فيها دار
هامش
( 1 ) . النهاية : بالملك ( 2 ) . تاريخ : نردّ