وارتفاع كرمكم كارتفاع هممكم ، وفضل توسعكم كفضل جدكم . واجعلوا توليد الرأي وتذكية العقول وتلقيح الفطن في تدبير مملكتكم وضبط قواصي أرضكم . عوّدوا ألسنتكم طيب الكلام ، فإنه يزرع لكم المحبّة في قلوب العباد ، فان ذلك صيد الملوك الذي يصيدون به القلوب ويستميلونها . تنزّهوا عن هوان الفواحش ان تركبوها ، وعن الشرارة ان تظهروها ، وعن البخل ان تنسبوا اليه وعن الفحش ان تتفّوهوا به . فان ذلك ممّا ينبغي ان تكرهوه لغيركم . فإذا كرهتموه لهم ، فلا تحبّوه لأنفسكم . عاملوا الرعيّة بالتجافي عن عثراتها ، والاحتمال لزلّاتها ، فإنما أنتم ملوك وحكام مكتفون بما خصصتم به من المملكة .
فاستعملوا فيها الحلم والرأفة وايّاكم والقول الذي يخلق جديد الحبّ ، ويثير دفين الحقد .
وألزموا الصمت ، فإنه يوفر الاعراض ، ويدفن العيوب . وانّ قليل الصّواب في سكوت خير من كثير ينسب إلى الهذر . وجاهدوا أنفسكم في كرائم الاخلاق ، كما تجاهدون عدوّكم في الحرب ! املكوا الغضب بالحلم ، وزنوه بميزان الانصاف والأناة . فإنكم ان سلّطتم عليه الأناة ، وأرخيتم عليه فرط الحميّة ؛ صرح لكم الحقّ عن محضه . املكوا الرّضا ، حتى تصيّروه قامعا للغضب . سلّطوا الاقتصاد على الافراط ، فاقمعوه فانّه ضدّه ، فإنه من ينفق سرفا ، لا يسمّى جوادا ؛ ولا ما يمسك عن الحق ، يسمّى اقتصادا صونوا اسراركم ، تسلموا من غوائل أموركم ، واحترسوا ممن نأى عنكم من أعدائكم كاحتراسكم ممن بحضرتكم .
واجعلوا رأس أموركم سوء الظن ، فإنه استجماع الثقة ، وحسن الظن مستدعى للغّرة ، والغرّة جهالة ، والجهالة داعيه إلى الهلكة . ولا يبلغن بكم سوء الظن ان يدخلكم في وحشة .
فان الوحشة قرينة الخوف ، والخوف مقدمة الرعب ، والرعب فشل ، والفشل وهن وهلكة ، ولكن أمر بين امرين من تقويم الرأي واستعمال الحزم . ولا تهلو عن الصغير ، فيترقّى إلى الكبير . واجمعوا الأموال من وجوهها ، فإنها حلية الملوك . واعدّوا ذوي البصائر من الجنود ، فانّهم أوتاد الملك . وحصّنوا مملكتكم بتحصين ثغوركم ، وارعبوا اعدءكم بتقوية جنودكم . وإذا رأيتم ممدوحا لم يستحق المدح ، فاتّهموا المدّاحين . واعلموا ان من كثرت حسناته ، استغنى من نشر الناس لها . ومن ذكرها ، اجتلب إلى نفسه المقت . ومن خفى عليه عيب نفسه ، قبح به كل ما قال وفعل . ومن افراط العجب ان يظنّ الانسان ما لا يظنّ به الناس . ومن وفر عقله ، كثرت أصناف منافعه . فإذا رميتم غرضا بعيدا ؛ فاستجيدوا القسيّ ، وجردوا الأوتار ، واختاروا السهام ، وشدوا النزع ، وقوموا اليد . فهذا عهدي إليكم ، ووصيتّي ايّاكم ، فتمسّكوا بها ، وأكثروا « 1 » التفكّر فيها . والسلام . ثم مات ، وكان ملكه وملك
هامش
( 1 ) . تاريخ : وكثرة