في صغير الأمور وكبيرها ، والائتلاف على التحابب والتوادد . فهذا جماع « 1 » وصايانا لكم ومواعظنا ايّاكم ، وسنعمل في الزامكم ذلك ، واخذكم به حتّى تنعموا « 2 » احكامه ، وتديموا في ملازمته ، إن شاء الله . ونسأل اللّه ، جّل جلاله ، امن هذه البيضة ، وصلاح هذه الامّة ، حتى نبلغها في ذلك أفضل الغايات ، ونجعلها منه بأعلى الدرجات حتى تستكمل اجلّ سعادة ، وتنال كل فضيلة ، ونأمن السوء والمكاره ، حتى لا يبقى لها عدوّ الّا دحره ، ولا عورة الّا سترها ، ولا مكروه الا زلجه « 3 » ، ولا ظلم الا قمعه بسلطانه العالي ، وحكمه الجاري . ايّها الناس انّ جماع ما يجب على الناس من الحقوق أربعة : منها حقّ الله ، جّل جلاله ، عليهم في احسانه إليهم ، وفضل آلائة لديهم ، وأياديه عندهم ، ومنها : حقّ أنفسهم عليهم في تعريضها للمنافع ، وصرفها عن المضّار ؛ ومنها : حقّ بعضهم على بعض في حسن المخالفة وبذل المعونة ؛ ومنها : حقّ السلطان في معرفة فضله وحسن طاعته وشكره على ما يولّى من حسن سيرته « 4 » ، والانصاف إلى ما يدعو اليه من امر البلاد ، والذّب عن الحريم . فاما حقّ الله ، جّل جلاله ، على العباد ، فهو ان يعرفوه حقّ معرفته ، ويوجبوا على أنفسهم الرضا بما يقضى ويقدر من أموره ويشكروه على أفضاله وانعامه وبفضله ايّاهم مما بسط لهم من رزقه على من كان دونهم من عباده ، وتوقّروا أولياء اللّه ، جّل وعزّ ، لامعانهم في مرضاته . واما حقوق أنفسهم عليهم فتّعهدها ممّا يرجون فيه صحّتها ، ودفع الأذى والعاهة عنها ، وتقويم أقواتها على ما لا يكون فيه افراط ولا تقصير عن قدر احتمالها ، والاجتهاد في اجترار المنافع إليها من أجمل الوجوه واطيبها . وامّا حقّ بعضهم على بعض فالمعرفة واظهار المحّبة وطلب السّلامة ، وان يحّب للناس ما يحبه لنفسه ، وما لا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره . وامّا حقّ السلطان عليهم فمناصحته في السّر والعلانية ومنح طاعته والانتهاء إلى أمره في كل ما دعا إلى الرشد وادّى إلى الهدى . وامّا حقهم على السلطان ، فالعدل والسيرة وطيب الطعمة واستصلاح الفساد والمباعدة عن أهل الغشّ والبغي . واعلموا انّ النّاس اربع طبقات : منهم طبقة آثروا حّق الله ، جلّت عظمته وطاعته ، واجتهدوا في مرضاته وعبادته ، فبلغوا بذلك أفضل الغاية ، ونالوا أفضل الدّرجة وأعلاها . ومنهم : طبقة عظّموا حقّ السلطان كنه تعظيمه وتفرّغوا لمعونته على العدل في رعيته والذّب عن حريم أهل مملكته . ومنهم : طبقة كلفوا بالمنطق والكلام في تدبير أمر المملكة « 5 » والنظر في ما يعود
هامش
( 1 ) . النهاية : جميع
( 2 ) . النهاية : تسمعوا
( 3 ) . النهاية : ربحه
( 4 ) . النهاية : السيرة
( 5 ) . النهاية : تدبر أهل المملكة