تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
الأمم محروسا ، ودينكم من غلبة الأديان محفوظا ، ما عظّمتم ولايتكم . وليس تعظيمكم ايّاهم بالتنحّي عنهم ، والمحنة « 1 » لهم المحنة لما تحّبون ، ولكن تعظيمكم ايّاهم بمناصحتهم وقول الجميل فيهم . واعلموا يا بني انه ليس للملك ان يبخل ، لان البخل لقاح الشنار ؛ وليس له ان يغضب ، لان الغضب لقاح الندامة ؛ وليس له ان يتبرّم ، لان التبرّم بالعمل ؛ وليس له أن يحسد ، لانّ الحسد يقل عمر الرجل ؛ وليس له ان يخاف ، لانّ الخوف من الفرار . وينبغي للملك ان يقسم ساعات نهاره ، فيجعل ساعة منها للهوه ولذّته . واحدى عشرة ساعة لتدبير ملكه ، والفكرة فيما يصلح به رعيّته . فان أكثر ما يكون الملك نظرا في أموره أعظم ما يكون خطرا . ولا ينبغي ان يكون حذره للملاقين أشد من حذره للمكاشفين ، وان يتّقي بطانة السوء كاتّقائه لعامّة السوء . ولا ينبغي له ان يطمع في استصلاح العامّة ، إذا لم يستطع اصلاح الخاصّة . واعلموا يا بني ان لكل ملك بطانة ، ولكل رجل من بطانته بطانة ، حتى يجتمع في ذلك جميع أهل مملكته . فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب ، أقام كل امرئ بطانته على مثل ذلك ، حتى يجتمع على الصواب عامّة الرعية . وانّ من الملوك من يهون على نفسه باب العيوب ، ويرى أن الناس يكاتمونها بينهم ككتمانه إياها . وذلك من دواعي طاعة اللهو والهوى . فإذا غلب الهوى ، اشتد علاج اصلاحه من السوقة المغلوبة ، فضلا عن الملك الغالب . وايّاك يا بني وضع اسرارك عند صغار حشمك استهانة منك بهم ، فانّه لا يقصرو لا يصغر أحد عن حمل السر كاملا ، ولا تضيع من اسرارك شيئا سقطة أو تهاونا ، فيصير ذلك ضررا ضعة من تشركه خيره « 2 » وشره . واعلم أن الظنون مفاتيح اليقين ، وانّك متبّطن بعض بطانتك خيرا وشرّا . فإذا ظننت به ، ظن بك عندما ترى من نظرك ، فان العين أبين الشهادات على ما في القلوب . وايّاك ان تبين في عينك ما تظن الا بعد اليقين والبيان . واعلموا يا بنى ان الشيطان يتسلّط في ساعات الغضب والحرص والزهو ، فاحسموا عن ذلك أنفسكم . فقد كان يقال : ينبغي للعاقل ان يتّقي مقارنة الحريص الغادر . فان من قارنه ، لم يسلم من فرط طمعه « 3 » . يا بنىّ استعينوا بالرأي على الهوى تبلغوا به الرشد ، وفيه تبليغ الرأي وتمليكه . واعلموا انّ من شأن الرأي الا تستنجد الهوى إذا جرى الهوى على عادته ، فقد رأينا رجالا كانوا معروفين بنبالة الرأي وجودة العقل ، فلمّا تمكن منهم الهوى ؛ فسخ قوة طباعهم ونبل رأيهم وتصحيح عقولهم ، حتّى نسبوا إلى ضعف الرأي عند الجهّال . فامّا العقلاء ، فإنه يستبين له منهم ما يستبين من الأرض الطيبة
هامش
( 1 ) . تاريخ : المحبة ( 2 ) . تاريخ : بخيره ( 3 ) . تاريخ : جمعه