تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ولا يكتمونه شيئا من أمورها . فكان هذا تدبيره في عمارة الأرض وفعاله فيها ، وتدبيره فيما سبق من مهن الملوك ، وأسسه وسياسته وتدبيره وبقي ذلك في ولده يمتثلونه ، ويعملون له ، ويجرون عليه إلى أن انقضى ملكهم .

خطبة اردشير بن بابك حين استوسق له الملك وتوطّد له السلطان

فلما استوسق لاردشير بن بابك السلطان ، وقهر جميع الملوك الذين كانوا يدعون ملوك الطوائف ، واقّر جميع أهل المملكة بالطاعة له ؛ جمع اليه وزراءه ومرازبته وعظماء اساورته واشراف أهل مملكته ، فقام فيهم خطيبا وقال : ايّها الناس ان لكل شئ صفوة وخيرة ، والأمور كلها متواصلة ، وأفضلها منزلة واخّصها درجة وأولاها بالأثرة الثناء على الله ، جّل جلاله وتقدّست أسماؤه ، والذكر لآلائه ، وحسن بلائه ، وتتابع نعمائه فنحن نحمد الله ، جلّ وعز ، على عظيم أفضاله وجسيم احسانه ، فيما أسبغ علينا من نعمه ، وأفضل علينا من كرامته ، فبلغ بنا غاية الأمنية ، وسما بنا إلى الدرجة الرفيعة ، في تسهيل كل مستصعب علينا ، وتذليل كل مستوعر كان يعظم في قلوبنا ، حتى اتسعت منازلنا فوق منازل الملوك ، ونفذ أمرنا في أقطار البلاد ونشكره على ما عمّ به رعيتّنا من النعم ، وما جمعهم عليه من ظاهر الدّين ، وما رزقهم من رفاه العيش واجتماع الكلمة وثمرة النصرة وعلّو المكان . فانّه ، تبارك وتعالى ، قد توحّد لنا ولهم بما أبلانا وايّاهم ، بعد ان كنّا معترفين بالعجز ، مقرّين بالضعف فتولّى لنا المعونة وكفانا المهم فله الحمد والشّكر ، جّل ثناؤه وعظم برهانه . يا أيها الناس نحن مخبروكم بما نعزم عليه من ارفاقكم وحسن السيرة فيكم ، لتفهموه ، وتحمدوا الله ، تبارك وتعالى ، على ما وفّق عليه في الخراج ، الّا نحملكم منه الا بقدر الطاعة ، ولا نأخذ منكم الا ما كان فضلا عن المعيشة ، ان ننفق ما نأخذ منكم في الوجوه التي يعود نفعها منكم ، ويعظم فيها النكاية في عدّوكم ، وان نجعل ما اجتنينا من خراجكم بمنزلة ما أساغت الأفواه من المطعم والمشرب ، وما يجتمع في خزائننا من أموالكم بمنزلة ما يجتمع في المعدة من المأكل والمشرب ، إذا افضيا إلى المعدة أفضت قوته إلى كل عضو من الجسد بقسطه . فكذلك عملنا في تفريق ما يجتمع في بيوت أموالنا من الخراج . وانا لن نغفل عهد كم ، والعناية بكم وأموركم ، والمثابرة على ما فيه مصالحكم وافراج روعتكم ، وتسبيب المنافع إليكم ، ودفع المضارّ عنكم ، والمبالغة في جهاد عدّوكم ،