تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
فيشرب كأسا ، ثم يوضع فلا يسقى بكأسه أحد غيره . ثم يدعى بالملاهي والمعازف وأهل المجلس صموت لا يرجعون رؤوسهم ويغضون ابصارهم من هيبة الملك . ولا يهم كل امرئ الا نفسه . وان يظهر منهم زلة في كلامه أو فعله ، فيعاقب عليه كل ذلك بمحضر من الوفود . فيعجبون من حسن دعة رعيّته ، ووقارهم وعظيم هيبتهم لملكهم ، ليخبروا بذلك ملوكهم إذا رجعوا إليهم . فإذا أراد صرفهم ، بعث إليهم ، واحضرهم ، قضى حوائجهم ، وامرلهم بالجوائز والجمالات والكساء الفاخرة ، وكتب جواب كتبهم . وان كانوا أتوه بهدية ، بعث معهم بأفضل منها ، فكانوا ينصرفون إلى أصحابهم ، فيفسّرون لهم كل ذلك ، فتدخل هيبته في قلوبهم ، وكانوا يعترفون له بالطاعة ، فيصالحونه على المهادنة ، ليكفوه عن بلادهم . فهذا ما كان من تدبيره في الوفود .

تدبيره في بناء المدن

وكان اردشير بابكان يأمر بالأرضين ، إذا رآها ، فأعجبته ، اوحدث عنها « 1 » اريحّية ، ان يبنى مكان مدينة ، فيسكنها طوائفا ممّن يؤتى به من أطراف الأرضين ، ليكثر بذلك رعيتّه ، وتعمر بلاده ، ويتّسع سلطانه ، ويبقى له في الغابرين ذكره وآثاره . ويأمر بمدائن فتبنى في نواحي ارضه ، ليحضر بها أهل الرساتيق ، إذ هم هجم عليهم فزع أو رامهم عدّو ، فتكون لهم حرزا يأمنون فيها . وكان يقول انما أبني هذه المدن لينتفع بها من يكون بعدي . فأما في حياتي فلست احتاج إليها . على أن المدن جمال مايليها من الرساتيق والقرى ومأوى عظمائهم ومكان أسواقهم ، وفيها مأمن الرّعايا ، ويتّم ذكر لنا باق ، وفخرنا في حياتنا . فهذا ما كان من تدبيره في بناء المدن .

تدبيره في أهل بيوتات الشرف

وكان اردشير بابكان يأمر أهل البيوتات والشرف وذوى الحساب ان يتعّرف شأنهم ، ويختبر حالاتهم فأي أهل بيت منهم بلغه ايّهم خصاصة ، وصلها ، وحباهم ، وأنعش حلقهم « 2 » ، وأي رجل منهم مات ولم يخلف بلغة ؛ وكّل بولده من يقوم « 3 » عليه إلى أن يكبروا وان كان له ولد يحتاجون إلى التأديب ، دفعهم للمؤدب . وان كنّ أيامى قد أدركن ، زوّجهن الموّكل بذلك من اكفائهن . وكذلك إذا بلغ بنوه التزويج ، زوّجهم من الاكفاء ؛ ومنعهم من
هامش
( 1 ) . الصحيح : عنه ( 2 ) . تاريخ : خلقهم . ( 3 ) . تاريخ : يعول