ومعه وزيران كانا له . وبلغ الإسكندر ذلك ، فسار في اثره في زهاء مائة فارس من ابطال جنوده ، وجعل يقفو اثره حتى لحقه ، فلما رأى وزيرا دارا من ورائه من حيث لا يشعر بهما فطعناه ، حتى سقط مغشيّا عليه . وأدركه الإسكندر ، وبه رمق ، فنزل اليه ووضع رأس دارا في حجره . ومال الوزيران إلى عسكر الإسكندر فاختلطا بالناس . فشق على الإسكندر ما أصاب دارا ، وبكى عليه بكاء شديدا . وامر مناديا فنادى في جنوده :
الّا تقتلوا أحدا ، ولا تعرّضوا لاخذ الأموال ولا لغيره . وقال لدارا وهو يبكى : يا اخى ، ان سلّمك الله ، جلّ ثناؤه ، من مصرعك هذا ؛ لا خلينّ لك سلطانك ، ولا سوغنّ لك جميع ارضك . فتناول دارا يد الإسكندر ، ووضعها على صدره ، وقال بصوت ضعيف : قد فهمت مقالتك ، فجزيت على الوجد علىّ خيرا ، وعلى الأسف الذي أصابني . واما ما ذكرت تسويغك إياي ملكي ، فهيهات قد حيل بيني وبين ذلك ، لما أرى بنفسي . يا اخى ايّدك الله ! ايّاك وان ترفع نفسك ، بل تواضع لربك ذي الجلال والاكرام ، وفكّر في عاقبة امرك .
واعلم أن المقادير لا تجل ملكا لملكه ، ولا تحقر فقيرا لفقره . واعتبر بملكى ، وانظر كيف كنت ، وكيف انا اليوم شريرا طريدا مخذولا مسلوبا جميع ما كنت املك . ألست الذي استحوذت على الأرض ، وهان لي « 1 » جميع الملوك « 2 » ، وادّوا اليّ « 3 » الطاعة ، واقرّوا لي بالغلبة .
فانا اليوم كما ترى بقيت صريعا طريحا فريدا وحيدا بعد الجنود الكثيرة ، والسلطان المنيع : فلما سمع الإسكندر ذلك من دارا ؛ رق له ، وبكى عليه بكاء شديدا . فقال له دارا :
ان البكاء لا يجدي على حياتي ، ولا ينفع ولا يضر ؛ فاقبل عليّ بوجهك ، لا وصيك بوصيتّى . فأصغى اليه الإسكندر بسمعه « 4 » ، واقبل عليه بوجهه . فقال له دارا : اخش الله ، تبارك وتعالى ، في امرى ، وراقبه واحفظ من خلفت ورائي من حرمي وولدي وأهل بيتي .
وعليك ب « روشنك » ابنتي ، فتزوّجها . فقد كانت قّرةّ عيني وثمرة فؤادي . واستوص بأهل فارس خيرا ، فانّهم أهل البأس والنجدة في الحروب . وانزل منك اخوتى بمنزلة اخوتك وولدى بمنزلة ولدك . فقال الإسكندر : انا فاعل ذلك حبّا وكرامة ؛ فأخبرني يا أخي : من الذي طعنك وأصارك إلى ما أرى لانتقم منه . فلم يحر جوابا ، واعتقل لسانه ، ومد يديه ، فقضى نحبه « 5 » .
هامش
( 1 ) . النهاية : وهادنتنى
( 2 ) . تاريخ : ملوك الأرض .
( 3 ) . النهاية : لي
( 4 ) . تاريخ : فسمعه
( 5 ) . النهاية : عليه