فدعا فرعون أمّها وقال لها : إنّ ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة فأقسم لتذوقنّ الموت أو لتكفرنّ بإله موسى . فخلت بها أمّها وأرادتها على موافقة فرعون ، فأبت [ وقالت ] : أمّا أن أكفر باللَّه فلا واللَّه ! فأمر فرعون حتى مدّت بين يديه أربعة أوتاد وعذّبت حتى ماتت ، فلمّا عاينت الموت قالت :
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ 1 ] . فكشف اللَّه عن بصيرتها فرأت الملائكة وما أعدّ لها من الكرامة ، فضحكت ، فقال فرعون : انظروا إلى الجنون الّذي بها ! تضحك وهي في العذاب ! ثمّ ماتت .
ولما رأى فرعون قومه قد دخلهم الرعب من موسى خاف أن يؤمنوا به ويتركوا عبادته فاحتال لنفسه وقال لوزيره : يا هامان ابن لي صرحا لعلّي أطلع
إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
[ 2 ] . فأمر هامان بعمل الآجرّ ، وهو أوّل من عمله ، وجمع الصّنّاع وعمله في سبع سنين ، وارتفع البنيان ارتفاعا لم يبلغه بنيان آخر ، فشقّ ذلك على موسى واستعظمه ، فأوحى اللَّه إليه : أن دعه وما يريد فإنّي مستدرجه ومبطل ما عمله في ساعة واحدة . فلمّا تمّ بناؤه أمر اللَّه جبرائيل فخرّبه وأهلك كلّ من عمل فيه من صانع ومستعمل . فلمّا رأى فرعون ذلك من صنع اللَّه أمر أصحابه بالشدّة على بني إسرائيل وعلى موسى ، ففعلوا ذلك ، وصاروا يكلّفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقونه ، وكان الرجال والنساء في شدّة ، وكانوا قبل ذلك يطعمون بني إسرائيل إذا استعملوهم ، فصاروا لا يطعمونهم شيئا ، فيعودون بأسوإ حال يريدون يكسبون ما يقوتهم ، فشكوا ذلك إلى موسى ، فقال لهم :
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
،
إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
،
هامش
[ 1 ] ( سورة التحريم 66 ، الآية 11 ) .
[ 2 ] ( سورة غافر 40 ، الآية 37 ) .