الموضع الذى كلامنا فيه هذا الحديث مناسب لذلك الأخير الذى مرّ ذكره من قبل بأن عمل أهل الجنّة يناسب لأشرف أجزاء تلك الأبدان ، و غاية كمال الإنسان من ثلاثين الى تسع و ثلاثين سنة ، و البدن لا يحتاج كثيرا الى أجزاء تلك الآلات ، كما كانت فى الأوّل بواسطة القلة و عدم تمامه و صغره ، و بالتدريج يصير كبيرا ، حتى يخرج ما هو من فطرته الذى قالوا بأنه جلىّ له بالتدريج بواسطة آلات البدن و التجربة و العلوم تصل الى الكمال ، لأن كمال أهل الجنّة و علمه معه و أجزاء البدن بأضعاف ما يحتاج اليه فاصل ، فالخلاصة المناسبة لكمال النفس تصير مهيّاة ، و يتصل بها ، فلا جرم يكون فى غاية كمال العقل و اعتدال المزاج و الحسن و قوّة الشباب ، حتّى يكون فى العلم و العقل بالكمال فى البدن بالكمال ، و اذا تهيّأ الأساس المحكم من خلاصه الآلات ، فلا يقبل الخلل و النقصان بخلاف اهل النّار ، لأنّ جميع أجزاء أبدانهم يكون مختلطة بالعقوبات ، و صارت ملائمة لأفعالهم و أعمالهم و أحوالهم من غير تمييز ، و جميع ذلك يصير بقرار ابدانهم ، و العذاب يكون فى جميع أبدانهم بموجب ما ذكرناه قال اللّه - تعالى - :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ،
( 1 ) و الحشر الذى هو عبارة عن عود النفس الى البدن لا يتعجّب منه لأنّ الايجاد من العدم أعجب و الى الاستبعاد أقرب كما قال اللّه - تعالى - :
وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ،
( 2 ) و قال فى موضع اخر
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ،
( 3 ) و من تفسير هذه الآيات اتضح ما قرّرناه ، و بيان ذلك ( 4 ) أن خلاصة الإنسان التى هى النفس الناطقه صارت مخلوقة ، و هى مؤلفّة من الذوات الروحانية و الصفات الجوهريّة ، و ليس فى شىء من المخلوقات مثل هذه الذوات و الصفات ، و تكون باقية بعد مفارقة البدن كما ذكرناه ، و فى النشأة الثانية غير محتاج الى إبداعها و طينة آدم التى ما كانت مخمّرة خمّرها اللّه - تعالى - : بيد القدرة أربعين طورا لقوله - صلّى اللّه عليه و سلّم حكاية عن ربّه - : خمّرت طينة آدم بيدى أربعين
هامش
( ( 1 ) . سورهء نساء ( 4 ) ، آيهء 56 . )
( ( 2 ) . سورهء روم ( 30 ) ، آيهء 27 . )
( ( 3 ) . سورهء ق ( 50 ) ، آيهء 15 . )
( ( 4 ) . پايان برگ 178 . )