ثمّ إنّ القوم أثاروا شبهة يوم السقيفة وتمكّنت من عقول الناس ولو أظهر عليّ دعواه فلا بدّ من إزالة هذه الشبهة ، وهذا لا يتمّ إلّا بظهور الفتنة ، ولمّا كان ضرر الفتنة عامّا كان دفعها واجبا بالصبر والتحمّل والسكوت .
جواب آخر : لو كان لأحد دين على أحد فإنّ المطالبة به واجبة بأحسن وجه ، وليس بالحرب والقتال ، بل الواجب طلب الدين وإن جحده الغريم وإلّا فالصبر إلى موعد القيامة ، ولمّا كان عليّ على علم تامّ بأنّ المطالبة بحقّه يجرّ إلى هلاكه وهلاك أهل بيته وكثير من المسلمين المؤمنين وتثور فتنة في الإسلام تأتي على الأخضر واليابس ، فإنّ فرض الجهاد حينئذ يسقط عنه ، قال اللّه تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
« 1 » .
جواب آخر : اتفق المخالف والمؤالف على أنّ بني هاشم لم يبايعوا أبا بكر طيلة حياة فاطمة عليها السّلام ، ولم يقبل عليّ ولايتهم ولا شاركهم في غزو ، وكان كثير المطالبة بحقّه ، وينكر على الصحابة ما فعلوه ، وأعانه قوم من أصحاب النبيّ كسلمان ومقداد وعمّار ، حيث رووا عن النبيّ أنّ الحقّ حقّه وغيره مبطل ، ولمّا عاد الحقّ إلى أهله وألقي زمامها إلى أمير المؤمنين وأصبحت الخلافة في حوزته واستأصل إليه شأفة عدوّه ، لم يتقدّم أحد بالاعتراض عليه أو الردّ بأخذ ما ليس حقّه ، وهذا بمجمله دليل على أحقّيّته ، وإبطال دعاوى الآخرين ، وطلحة والزبير لم ينكرا حقّ عليّ ولا مرتبته في الدين بل توسّلوا بقتل عثمان فموّهوا على الناس أنّه تمّ بسعي عليّ عليه السّلام ، وليس كذلك وإنّما هو بإجماع من الصحابة واتفاقهم عليه ، ولو أراد عليّ القصاص مثلا فكيف السبيل إلى قتل كلّ هؤلاء القوم ، ثمّ إنّ الذين قتلوه قتلوه بحجّة حتّى قالوا : قتلناه كافرا ، كما جاء في نكت الفصول للأصفهاني .
هامش
( 1 ) الأنفال : 25 .