تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
مثلَ سُخْرِيَّتِكُم إذا وقَعَ عليكم الغَرْقُ في الدُّنيا والحَرْقُ في الآخرةِ ، أَي نُعامِلُكُم معاملَةَ من يَفْعَل ذلكَ ؛ لأَنَّ حقيقةَ السُّخْرِيَّةِ لا تليقُ بمنصبِ النُّبوَّةِ ، أَو نَسْتَجْهِلُكُم في استِجْهَالِكُم إيَّانَا ؛ وإطلاقُ السّخرِيَّةِ عليه للمُشَاكَلَةِ كما في قولِهِ تعالَى :
« فَيَسْخَرُونَ
مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ » « 1 » ، فسَمَّى العُقُوبَةَ سُخْرِيَّةً .
« فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
» « 2 » هُزُؤاً تَسْخَرُون منهم ، أو سُخْرَةً تستَعْبِدُونَهُمْ وتَصرفُونَهُم في أعمالِكم وأغراضكم قَهْراً .
« أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا
أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ » « 3 » يَقُولُونَ لمَّا لم يَرَوْهُم في النَّارِ : أَتّخَذَنَاهُمْ هُزؤاً في الدُّنيا فأَخطَأْنا ، أَم زاغَتْ عنهُم أَبصارُنَا فلَا نَرَاهُم وهُم معَنَا في النَّارِ ، قَسَّموا أَمرَهُم بينَ أَن يكونُوا من أَهلِ الجنَّةِ وبينَ أَن يكُونوا من أَهلِ النَّارِ إلَّا أَنَّه خَفِيَ عليهم مكانُهُم .
« لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
» « 4 » خَدَماً وتابِعاً ومَمْلُوكاً .
« لا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ . . . » « 5 » الآية ، أَي لا يَسْخَرْ بعضُ المؤمنينَ والمُؤمناتِ مِنْ بعضٍ فرُبَّما كانَ المَسْخُورُ منه خيراً من السَّاخِرِ ؛ إذ لا اطِّلاعَ للنّاسِ إلَّا علَى الظَّواهِرِ ولا عِلْمَ لهُم بالسَّرائرِ ، والَّذي يَزِنُ عندَ اللَّهِ خُلُوصُ الضَّمائر ، فينبغي أَن لا يجترئَ أحدٌ على الاستهزاءِ ممَّن تقتَحِمُهُ من ذي عاهةٍ أَو معصيةٍ فلعلَّهُ أخلَصُ ضَميراً وأَتقَى قلباً من السَّاخِرِ .

الأثر

( أَ تَسْخَرُ مِنِّي وأَنْتَ المَلِكُ ) « 6 » أَي تُطْمِعُنِي « 7 » فيما لا أَراهُ من حَقِّي ، فكأَنَّهُ صورةُ سُخْريّةٍ ، أَو أَصابَ القائلَ من الدَّهَشِ ما أَجرَى لَهُ كلَامَهُ علَى عادَتِهِ مع المخلوقينَ .
هامش
( 1 ) التّوبة : 79 . ( 2 ) المؤمنون : 110 . ( 3 ) ص : 63 . ( 4 ) الزّخرف : 32 . ( 5 ) الحجرات : 11 . و ( 7 ) النّهاية 2 : 35 ، وفيه : أتضعني بدل : تطمعني .