نعم ، المعرفة على وجه الكمال ربّما يُقال بحجبها عن بعض النفوس الناقصة . وفي استناد هذا الحجب إليه سبحانه نظر .
ويحتمل أن يكون المراد بقوله : « ما حجب اللَّه عن العباد » ما لم يكن في وسعهم وحُجبوا عنه بما من جانب اللَّه ، فيكون موضوعاً عنهم ، كما في الحديث الذي بعد هذا . « 1 » انتهى .
أقول : ملخّص أقوال الأصحاب في هذا الباب : أنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يكلّف العباد بشيء ولا يحتجّ عليهم إلّابعد البيان والتعريف وإعطاء الوسع والطاقة وما به الاستطاعة ؛
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
، « 2 » فهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة . « 3 » والمعيار العدل للفطن المتأمّل في البيانات في هذا الباب تمييزه بين المعرفة الفطريّة التي لا تكليف فيها أصلًا والمعرفة الدينيّة التي مناط التكليف ، ولا تحصل إلّابالتعريف إذا أقبل وقَبِل فحيّ عن بيّنة ، بخلاف من أنكر وأدبر فهلك عن بيّنة . والمستضعفون أيضاً مكلّفون بقدر وسعهم ، ولذا ثبت أنّ للَّهفيهم المشيئة في المؤاخذة والعفو عنهم . « 4 » واللَّه أعلم بالصواب .
الحديث الرابع
روى في الكافي ، عَنْ العِدَّة ، عَنْ البرقي ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبَانِ ، « 5 » عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ، قَالَ : قَالَ لِي : « اكْتُبْ » ، فَأَمْلى عَلَيَّ : « إِنَّ مِنْ قَوْلِنَا : إِنَّ اللَّهَ يَحْتَجُّ عَلَى الْعِبَادِ بِمَا آتَاهُمْ وَعَرَّفَهُمْ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ ، فَأَمَرَ فِيهِ وَنَهى : أَمَرَ فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله عَنِ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : أَنَا أُنِيمُكَ ، وَأَنَا أُوقِظُكَ ، فَإِذَا قُمْتَ فَصَلِّ ؛ لِيَعْلَمُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ذلِكَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ ، لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ : إِذَا نَامَ عَنْهَا هَلَكَ ؛ وَكَذلِكَ الصِّيَامُ ، أَنَا أُمْرِضُكَ ، وَأَنَا أُصِحُّكَ ، فَإِذَا شَفَيْتُكَ فَاقْضِهِ » .
هامش
( 1 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 516 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 165 .
( 3 ) . اقتباس من الآية 42 ، الأنفال ( 8 ) .
( 4 ) . في « ألف » : - / « عنهم » .
( 5 ) . في الكافي المطبوع هكذا : « عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن عليّ بن الحكم ، عن أبانالأحمر » .