ولا تفويض أيضاً ؛ لعدم استقلال العبد قدرةً ، وقدرته تؤثّر بإذن من اللَّه سبحانه ، فأمر بين الأمرين .
و « المشيئة » : جعله تعالى في العبد القدرة على الفعل بإذنه ، والترك بإذنه .
و « الإرادة » : خلقه الخير فيمن يحبّه والشرّ فيمن يبغضه ، ثمّ تقديره وتحديده ما أراد بمثاله وأجله ، ثمّ القضاء والحكم ، ثمّ الإذن والإمضاء ، فيصدر أمر بين أمرين بفعل الفاعل وإيجاد الخالق تعالى .
وتوضح لك مصاديق الحالات الثلاث من هذه الأمثلة : إذا كان رجل على مرتفع وآخر أسفل منه فيعلو منه في الأسفل بأنحاء ثلاثة ، إمّا بأخذ مَنْ في العالي على يد مَنْ في الأسفل من غير علاج ممّن في الأسفل فهو الجبر ، وإمّا بسعي مَنْ في الأسفل وقوّته بلا شائبة علاج وتأثير ممّن في العالي فهو التفويض ، وإمّا بأخذ الأعلى على يد مَنْ في الأسفل وقوّتهما وعلاجهما وتأثير سعيهما فهو أمرٌ بين الأمرين .
ثمّ اعلم أنّ المشيئة تؤكّد بالإرادة ، والإرادة بالتقدير - تقدير القَدْر والوصف - والتقدير بالحكم ، والحكم بالإذن ، ويثبت بالإذن النقش والمثال الممتاز عن غيره في الأعيان بمدّتها أيضاً من أوّلها إلى آخرها ، فحقيقة مشيّته تعالى جعله في العبد قدرةً على الخير والشرّ ، فإذا شاء خيره فعل الخير بتوفيقه ، وإذا شاء شرّه فعل الشرّ بخذلانه ، فالجاعل بقدرته هو اللَّه سبحانه والفاعل باختياره هو العبد .
والفرق بين الأمر والمشيئة ظاهر كما سيجيء في الثالث من الباب التالي ، فلا يصدر شيء من عبد إلّابإذن اللَّه ، لكن الخير بإذن منضمّاً بأمر اللَّه ورضائه ، والشرّ بإذن منضمّاً بنهيه وإكراهه . ومَثَل اختيار العبد كَمَثَلِ العصير العنبي من شأنه أن يصير دِبساً أو خمراً . والعلم عند اللَّه وحججه صلوات اللَّه عليهم .
وفي الحديث القدسي - كما سيذكر في باب الخير والشرّ - : « إنّي أنا اللَّه لا إله إلّاأنا ، خلقت الخير ، وخلقت الشرّ ، فطوبى لمن أجريتُ على يديه الخير ، وويلٌ لمن
الهدايا لشيعة أئمة الهدى ( شرح اصول الكافى ) — صفحة 402
مساهمون: شرف الدين مجذوب التبريزي
ص٤٠٢