وناسخها ، مفرداتها ومركّباتها ، وإخباراتها وإنشاءاتها بحيث لا يشذّ عنها شيء - منتقشة في اللّوح ، والفائض منه على الملائكة والنفوس العِلْويّة والنفوس السفليّة قد يكون الأمر العامّ ، أو المطلق ، أو المنسوخ حسب ما يقتضيه الحكمة الكاملة من الفَيَضان في ذلك الوقت ، ويتأخّر المبيّن إلى وقت يقتضي الحكمة فَيَضانَه فيه ، وهذه النفوس العِلْويّة وما يشبهها يعبّر عنها بكتاب المحو والإثبات .
والبداء عبارة عن هذا التغيّر في ذلك الكتاب من إثبات ما لم يكن مثبتاً ، ومحو ما أثبت فيه . والروايات كلّها تنطبق عليه . وبملاحظة جميعها يُهتدى إليه .
وإنّما بالغوا عليهم السلام في إثبات البداء ؛ ردّاً على اليهود ومن تابعهم ؛ حيث قالوا : إنّ اللَّه تبارك وتعالى فرغ من الأمر ، « 1 » فقالوا عليهم السلام - كما ورد به التنزيل :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ »
« 2 » وهل يمحى إلّاما كان مثبَتاً ؟ وهل يثبت إلّاما لم يكن ؟
وإنّما لم يعبد اللَّه بشيء مثل البداء ؛ لأنّ فيه الإقرارَ بما في كتاب اللَّه ، وتصديقَه وتصديقَ أنبيائه ورسله والراسخين في العلم ، وسدّ سبيل الوساوس النفسانيّة والشيطانيّة في إنكار الأنبياء والأوصياء بالتغيّر فيما أضمروا « 3 » به من غير ما أمروا بتبليغه من الشرائع إن خصّص البداء بما دون النسخ في الأوامر والنواهي ، وفيما جاءوا به مطلقاً إن عمّم . « 4 » انتهى .
وقال السيّد السند أمير حسن القائني رحمه الله :
القول في حقّه تعالى بالبداء ؛ ردّ على اليهود ؛ حيث قالوا : إنّه تعالى فرغ من الأمر ؛ لأنّه عالم في الأزل بمقتضيات الأشياء فقدّر كلّ شيء على وفق علمه .
وملخّص الردّ : أنّ له تعالى إرادات حادثة ، والبداء بحسب الإرادة لا بحسب العلم المحيط بالجميع فيقدّم المؤخّر بالإرادة ويؤخّر المقدّم بالإرادة . قول المتكلّمين : إنّ إرادته أزليّة ، يعني علمه أزليّ .
هامش
( 1 ) . تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 171 ، ذيل الآية 64 من المائدة ( 5 ) ؛ وعنه في البحار ، ج 4 ، ص 98 ، ح 6 .
( 2 ) . الرعد ( 13 ) : 39 .
( 3 ) . في المصدر : « بالتغيير فيما أخبروا به » مكان « بالتعيّر فيما أضمروا به » .
( 4 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 475 .