النفي في « لم يحتج » كما في
« وَلَا الضَّالِّينَ »
أي لم يحتج إلى شريك يذكر له ربوبيّته نفسه تعالى ويفتح له أبواب علمه عزّ وجلّ . والمراد أنّ بعثة الأنبياء والرّسل لتعليم الخلق ليس على وجه الاحتياج بل بمحض الحكمة والرحمة والتفضّل .
أقول : يعني لم يحتج في عجائب صنعه وتدبيره إلى معين يعينه في سلطنة تدبيره وتقديره وكمال إحاطة علمه بالجميع أزلًا أبداً وعموم قدرته الكاملة .
الحديث الثالث
روى في الكافي بإسناده ، « 1 » عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي بَعْضِ مَا كَانَ يُحَاوِرُهُ : ذَكَرْتَ اللَّهَ ، فَأَحَلْتَ عَلى غَائِبٍ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : « وَيْلَكَ ، كَيْفَ يَكُونُ غَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شَاهِدٌ ، وَإِلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ ، وَيَرى أَشْخَاصَهُمْ ، وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ ؟ ! » فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ : أَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ؟ أَ لَيْسَ إِذَا كَانَ فِي السَّمَاءِ ، كَيْفَ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ ؟ ! وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ ، كَيْفَ يَكُونُ فِي السَّمَاءِ ؟ ! فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام : « إِنَّمَا وَصَفْتَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي إِذَا انْتَقَلَ عَنْ مَكَانٍ ، اشْتَغَلَ بِهِ مَكَانٌ ، وَخَلَا مِنْهُ مَكَانٌ ، فَلَا يَدْرِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَا يَحْدُثُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ، فَأَمَّا اللَّهُ - الْعَظِيمُ الشَّأْنِ ، الْمَلِكُ ، الدَّيَّانُ - فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ مَكَانٌ ، وَلَا يَكُونُ إِلى مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلى مَكَانٍ » .
هديّة :
( محمّد بن إسماعيل ) هو البرمكي .
و ( عمرو بن محمّد ) هو الأسدي من رجال الكاظم عليه السلام . وقيل : عمر بضمّ العين .
و ( عيسى بن يونس ) هو الشاكري الكوفي .
و « المحاورة » : المكالمة .
هامش
( 1 ) . السند في الكافي المطبوع هكذا : « وعنه ، عن محمّد بن أبي عبد اللَّه » .