« فمن كذب عليَّ متعمّداً » أي لا عن وهم .
« وإنّما أتاكم الحديث من أربعة » وجه الضبط : أنّ الراوي الذي يؤخذ عنه الحديث ويعتمد على روايته إمّا كاذب ، أو صادق ، والكاذب الذي يعتمد عليه إمّا ظاهر الصلاح ، متصنّع بالإسلام ، غير متحرّج من الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - وقد أخبر سبحانه بوجودهم في عصره صلى الله عليه وآله ووصفهم بما وصفهم ، ثمّ بقوا بعده - وإمّا متحرّج عن الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عمداً ، ولكن يتوهّم ويغلط ؛ حيث لم يحفظ الحديث على وجهه ، فيكذب عليه من حيث لا يدري .
والصادق إمّا غير عالم بالناسخ والمنسوخ فيحدّث بالمنسوخ ويقول به ، أو عالم بالناسخ والمنسوخ حافظ للحديث على وجهه فلا يحدّث إلّابالناسخ ، أو بالمنسوخ على أنّه منسوخ متروك القول والعمل به بعد أن حفظه على وجهه الذي حدّث به رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأراد به العموم والخصوص ، والوجه المراد من الكلام الذي له وجهان .
« فإنّ أمر النبيّ صلى الله عليه وآله » بيان لوجود القسم الثاني والثالث بتحقّق الناسخ والمنسوخ في الأحاديث النبويّة ، فيقع نقل المنسوخ والقول به لغير العالم بالناسخ ، وتحقّق العامّ والخاصّ ، والكلام له وجهان فيها فيقع الاشتباه ، وينقل العام على عمومه ، ويقال به ويتوهّم ، فيُحمل ما له الوجهان على غير المراد فيحدّث عنه صلى الله عليه وآله بما فهمه .
ولمّا انتهى كلامه صلى الله عليه وآله إلى أنّ الأحاديث كالقرآن في الاشتمال على الناسخ والمنسوخ والعامّ والخاصّ والكلام ذي الوجهين ، عمّم البيان بعده بما يشملهما ، فبيّن أنّ ما جاز وقوعه في الحديث جاز وقوعه في القرآن ، وأبان أنّ المرجع في بيان الكتاب والمبيّن له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بقوله :
« ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا »
« 1 » .
ثمّ بيّن أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أودع بيان ما يحتاج إلى البيان من الكتاب عند أهل بيته عليهم السلام بقوله : « فما نزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله آية من القرآن » إلى آخره ، فكلّ ما يحتاج إليه الناس محفوظ عندهم عليهم السلام فلا يسع الناسَ تركُ الأخذ عنهم والاستبداد بآرائهم في الأخذ عن الكتاب ، بل عليهم أن يراجعوا أهل البيت عليهم السلام فيما فيه احتمال تخصيص ، أو إرادة وجه دون وجه ، أو وقوع نسخ ، فبعد المراجعة إليهم إذا علم عدم تخصيص يفسّر
هامش
( 1 ) . الحشر ( 59 ) : 7 .