في سلاسل أمواج الهواء المنتهية إلى الصماخ على هيئات الحروف على أنحاء كثيرة لا تحصى .
وهكذا سائر تلك النقاط السود الصغار المخلوقة أوّلًا في المضغة تصير بقدرته وصنع حكمته أنفك وفمك من الوجه ، ولسانك وأسنانك في الفم ، ويديك ورجليك بمفاصلهما وأصابعهما وهيئاتهما وموضعها من البدن ، وسائر جوارحك من قرنك إلى قدمك ظواهرهما وبواطنهما من الأحشاء والأمعاء ، وغير ذلك ممّا لا تخفى
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
« 1 »
.
( والثالث أن تعرف ما أراد منك ) يعني أن تعرف لماذا خلقك ؟ وما أراد منك لمعاشك ومعادك ؟ خلقك لمعرفته بمعرفة مفترض الطاعة ، وطاعته على ما أخبرت وأمرت ، وأراد منك بمحض التفضّل الامتثال في الأمر والنهي هنا راضياً شاكراً ، ثمّ الاشتغال بالسرور المخلّد ، والعيش المؤبّد في دار الخُلد وجنان الرحمان بعد طيّ عقبات البرزخ ومواقف أهوال الموقف للعرض الأكبر ، سالماً حامداً
« وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
« 2 » .
( والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك ) يعني أن تعرف عدوّ دينك ، ومن يفسد إيمانك موافقته وتبعيّته .
إنّ رئيس رؤساء الأعداء لدين اللَّه سبحانه هو إبليس اللّعين ، وهو العدوّ المبين غير المبين ، هو وأبالسته يجيئون للتسلّط على بني آدم بالوسوسة من الجوانب الستّة ، وقد يتمثّلون بأشكالٍ مختلفة ويكيدون بمكائد عجيبة معجبة ، وقصّة الشيخ النجدي والذي أحكم البيعة أوّلًا مع الأوّل وغير ذلك من القصص معروفة ، ونفوذهم في الأصنام المتنطّقة والوجديّين من الصوفيّة القدريّة والطائرين من الجواكي الهندية ظاهر لُاولي الأبصار ، ومشهور بتواتر الأخبار .
هامش
( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 14 .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 10 .