وفي نهج البلاغة من وصايا أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه لابنه الحسن عليه السلام : « ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لا تُكلَّف ، وأمْسِك عن طريقٍ إذا خفت ضلالته ؛ فإنّ الكفّ عند حَيْرة الضلالة خيرٌ من ركوب الأهوال » « 1 » . ولعلّ معنى « فيما لا تكلّف » :
في مقام لا تكلّف أن تكون آمراً أو ناهياً فيه .
قال برهان الفضلاء سلّمه اللَّه تعالى :
« خير » أي ضرره قليل ، وضرر الوقوف عند الشبهة إنّما هو باعتبار الدنيا ، نظير النفع في آية سورة البقرة :
« وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
« 2 » .
وجملة « وتركك » من قبيل الترقّي .
« ولم تروه » - بسكون الرّاء وتخفيف الواو المكسورة - صفة للحديث . ومفهوم هذه الصفة احتراز عن الحديث الذي لم يقع العمل بمقتضاه ، وعن الحديث الذي لم يحص ولم يعدّ .
والمراد بالإحصاء هنا : استيعاب العلم المعلوم بجميع أجزائه مثل
« أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً »
« 3 » ؛ يعني الوقوف عن القول والعمل عند الشكّ في أنّه جائز أم لا ، أقلّ ضرراً من الاقتحام فيه ودخول النار . « وتركك حديثاً » لم تنقله مع أنّك ضبطته وعملت بمقتضاه أقلّ ضراراً من نقلك حديثاً لم تضبطه .
وقال الفاضل الأسترآبادي رحمه الله :
« الوقوف عند الشبهة » من جملة تصريحاتهم عليهم السلام بأنّه يجب التوقّف في الحلال والحرام عند فقد القطع واليقين . « 4 »
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
« الوقوف عند الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة » أي التثبّت عند الشبهة حتّى ينتهي « 5 » الأمر خير من الاقتحام والدخول ، وإلقاء النفس فجأةً في الهلكة ، وهي - بضمّ الهاء وفتح اللّام - الهلاك ، وعبّر عن الضلال بالهلاك .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 391 ، الرسالة 31 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 219 .
( 3 ) . الجنّ ( 72 ) : 28 .
( 4 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 95 .
( 5 ) . في المصدر : « حتى يتبيّن » .