( لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدُّنيا ) كالمدّعي لعلم الدِّين بالكشف من دون استناد في علمه إلى الحجّة المعصوم المنحصر عدده في حكمة اللَّه سبحانه . أي لا تجعله وسيلة التقرّب إليّ ظنّاً منك بادّعائه وادّعاء رهطه المريدين أنّه صاحب الكشف والكرامات ، وعالِم بالأسرار والخفيّات ، وهو بتركه للدُّنيا مفتون بها كمن ترك الدنيا للدُّنيا ، والدليل على ذلك أنّه يحبّ كثرة المريدين من الحمقاء ، ويدّعي المكاشفة بالرياضة الممنوعة شرعاً ، ويُظْهِر العلم بالأسرار وحقائق الأشياء من دون أن يكون حجّة معصوماً منصوصاً ، أو تابعاً له فيما أمر به ونهى عنه .
قال برهان الفضلاء : « يحوط » على المضارع المعلوم من باب نصر ، أو التفعيل .
و « الحوط » و « التحويط » : المحافظة والرعاية .
و « ما » مصدريّة ، أو موصولة . فعلى الأوّل : المصدر نائب عن ظرف الزمان والعائد مقدّر ، فبمعنى : يحوطه مدّة حبّه إيّاه ، فلو زال الحبّ لزال الحوط .
وعلى الثاني : من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير لإفادة التعليل ، فبمعنى : يحوطه لحبّه إيّاه .
والمراد بنزع حلاوة المناجاة من قلوبهم : عدم توفيقهم للرجوع إلى محكمات الكتاب والسنّة .
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
« يحوط ما أحبّ » أي كلّ محبّ لشيء يحفظه ويتعهّد من هذا الشيء ومن مقابله ما أحبّ ، وحبّه « 1 » المقابل للشيء المنافي له لا يجامع حبّ ذلك الشيء ؛ فمن أحبَّ الدنيا لم يحبّ الآخرة كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام : « فمَن أحبّ الدنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها » . « 2 » وللإشعار إلى ما ذكر قال : « يحوط ما أحبّ » ولم يقل : « يحوطه » .
ومن المعلوم أنّ حفظ الدنيا وتعهّدها لا يجامع إظهار الحقّ والعمل به غالباً ، فمن يحوطها يميل إلى الباطل كثيراً ، فكلّ قول وفعل منه مظنّة كونه من الكثير الغالب ،
هامش
( 1 ) . في المصدر : « محبّة » .
( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 486 ، الحكمة 103 ؛ وعنه في بحار الأنوار ، ج 70 ، ص 129 ، ح 134 .