فينبغي أن يتّهمه العاقل ويسئ الظنّ به ، ولا يأتمنه على دينه ، ولا يعتمد عليه في أخذ العلوم الدينيّة .
« لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدُّنيا » أي لا تجعل المفتون بالدُّنيا أي المُعجَب بها بين اللَّه وبينك وسيلةً إلى حصول معرفة اللَّه ومعرفة دينه وشريعته التي شرّعها لعباده ، « فيصدّك » ويمنعك « عن طريق محبّتي » بالترغيب إلى الدنيا ، وتهييج الشهوة إلى طلبها ، وتشييد محبّتها في القلب .
« فإنّ أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين » ؛ لأنّهم يُميلون الناس من الرغبة إلى اللَّه وإلى الآخرة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها ، أو لأنّهم بإراءتهم للناس أنّهم علماء أمالوا الناس من طلب العالم الربّاني إلى الرجوع إليهم والأخذ عنهم ، فأضلّوهم عن السبيل إليه .
« أدنى ما أنا صانع بهم » أي أقلّ ما أجزيهم بكونهم مفتونين بالدُّنيا ، وذلك لمن فيه أقلّ مراتب الافتتان ، وهو المتحرّز عن تناولها لا من حلّها مع حبّه لها « أن أنزع حلاوة مناجاتي » أي الحكاية معي والدّعاء وعَرْض الحاجة عليَّ من قلبه ، وذلك لشغل قلبه بالدُّنيا عن اللَّه سبحانه وعن حقوقه ، فلا يدرك حلاوة المناجاة ؛ لشغل قلبه بغير من يناجيه ، أو لأنّ إدراكه لكيفيّة المناجاة وطعمها مشوب بإدراك كيفيّة نيل الدنيا وطعمها ، وهي مرّة في ذاتها وإن وافقت ذائقته ، فلا يخلص له حلاوة المناجاة مع ربّه ، فهو سبحانه بتركه على افتتانه نَزَع حلاوة المناجاة عن قلبه .
ولا يبعد أن يقال : المراد بالمناجاة هنا معناه الأصلي من المسارّة ، والحكاية بالسرّ ؛ فإنّ في الإسرار مع الحبيب حلاوةً ليس في الإظهار ، وهو لحبّه للدُّنيا وافتتانه بها يحلو « 1 » عنده وفي ذوقه الإظهار دون الإسرار . « 2 »
الحديث الخامس
روى في الكافي عَن الأربعة ، « 3 » عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ، قَالَ : « قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : الْفُقَهَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا دُخُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا ؟ قَالَ : اتِّبَاعُ
هامش
( 1 ) . في جميع النسخ : « يخلو » بالمعجمة ، وما أثبتناه من المصدر ، وهو الصحيح .
( 2 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 153 - 155 .
( 3 ) . يعني « عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوقلي ، عن السكوني » .