فيه بالثقة ، والمساءة : مصدر ميميّ .
والمراد أنّ إحكام الأمر وضبطه والأخذ بالثقة وتحصيل العلم فيه يوجب سوء الظنّ بهم ، أو يترتّب على سوء الظنّ بهم وتجويز كونهم مثل هؤلاء ؛ فإنّه لو لم يجوّز ذلك لحسن الظنّ بهم لم يُتّبع ولم يُسْعَ في طلب معرفة الحقّ ، فلا يحصل له العلم بالحقّ ، فمن يريد تحصيل العلم والاعتقاد الجازم الثابت يبني الأمر على تجويز السوء منهم أوّلًا حتّى يتبيّن « 1 » الأمر بالبيّنة ، ومن يجوّز السوء بهم يوصله ذلك التجويز إلى إحكام الأمر والبناء فيه على الموثوق به الذي يوجب الاعتقاد الجازم الثابت .
ولعلّ المراد بكون الشيء بين المرء والحكمة كونه موصلًا للمرء إلى الحكمة وواسطة في حصولها « 2 » ، كما في رواية جابر عن النبيّ صلى الله عليه وآله : « بين العبد والكفر ترك الصلاة » « 3 » ؛ أي ترك الصلاة موصل للعبد إلى الكفر .
والغرض أنّ ما أنعم اللَّه به على العالِم من العلم والفهم والصدق على اللَّه واسطة للمرء يوصله إلى الحكمة ، فإنّ المرء إذا عرف حال العالم اتّبعه وأخذ منه ، فيحصل له الحكمة ومعرفة الحقّ والإقرار به والعمل على وفقه . وكذا بمعرفة حال الجاهل وأنّه « 4 » غير عالمٍ فَهِمٍ صادقٍ على اللَّه يترك متابعته والأخذ منه ، ويسعى في طلب العالم فيطّلع عليه ويأخذ منه .
فالجاهل باعتبار سوء حاله باعث بعيد لوصول المرء إلى الحكمة ، فهو شقيّ محروم توصل معرفة حاله المرء إلى سعادة الحكمة ، وهذا الكلام كالتفصيل والتأكيد لما سبقه .
ويحتمل أن يحمل البينيّة في الأولى على التوسّط في الإيصال ، وفي الثانية على كون الشيء حاجزاً مانعاً من الوصول ، والجاهل شقيّ مانع من الوصول إلى الحكمة .
ولا يبعد أن يُقال : المراد بنعمة العالم العالمُ نفسُه ، والإضافة بيانيّة ، أو يكون « العالم »
هامش
( 1 ) . كذا في المصدر ، وفي « ب » : « يتبنّى » .
( 2 ) . في المصدر : + / « له » .
( 3 ) . جامع الأخبار ، ص 73 ؛ وعنه في بحار الأنوار ، ج 79 ، ص 202 ، ذيل الحديث 2 . وهذا الحديث مروي في كتب العامة بعبارات مختلفه ، راجع : تفسير ابن كثير ، ج 3 ، ص 172 ، ذيل الآية 60 من سورة مريم ( 19 ) ؛ الدر المنثور ، ج 1 ، ص 711 ذيل الآية 253 من سورة البقرة ( 2 ) .
( 4 ) . ما أثبتناه من المصدر ، وفي « ب » و « ج » : « فإنّه » .