« والجود » بالمال « نجح » ، والنجح - بضمّ النون والحاء المهملة بعد الجيم - : الظفر بالحوائج .
و « المجلبة » : إمّا مصدر ميمي حمله على حسن الخلق ، كما حمل سائر المصادر السابقة على سائر الصفات مبالغة ، أو اسم مكان ، والأوّل أوفق بنظائره .
ولمّا ذكر أنّ العقل بجنوده من العلم ، والفهم والصدق مناط الفلاح والعزّ والمجد ، وكان فيه الدلالة على بطلان الطواغيت ؛ لجهلهم وخلوّهم من الفهم والصدق والعلم وانقياد العقل ، بل اتّبعوا أهواءهم ، فادّعوا لأنفسهم ما ليس لهم ، وتركوا الحقّ وأهله وظلموهم ، فكان مظنّة توهّم أنّه كيف يجوز على الجمع الكثير كثرةً لا يخرج عنها إلّاقليلٌ نادر مثلُ هذا الاتّفاق على ترك الحقّ مع ظهوره عليهم أو على أكثرهم ، واتّباع الأهواء والابتداع الآراء الباطلة ؟ ! فأزال عليه السلام هذا الوهم بقوله : « والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس » ، أي لا يدخل عليه الشبهات .
أو المراد من الهجوم : الدخول بقوّة وغلبة ؛ فإنّ العالم بزمانه يعرف أنّ أهل الزمان مع كثرتهم وبلوغهم أضعاف أولئك قلّما يرى في جماهيرهم ووجوه مشاهيرهم من لا يستكبر عن الإقرار بالحقّ ولا يتّبع هواه ، حتّى من يبالغ منهم في السداد وإظهار الصلاح والتقوى والفلاح ، فانضمّ فيهم الإضلال إلى الضّلال ، وتقوّى ضلالهم بالإضلال .
وعسى أن يكون الإقرار بالحقّ والانقياد له عند القليل النادر المتروك عندهم ، المذموم لديهم ، المحسود لهم ، فيبغضونه للتعازف « 1 » الذي بينهم ، وينكرونه ؛ تقويةً لباطلهم ، وترويجاً له ، كما كان في أسلافهم حذو النعل بالنّعل ، بل البَطَلَة من أهل هذه الأزمان أسوء حالًا وأشدّ خسراناً من أولئك الظلمة من السابقين ؛ حيث لا ينالون باستكبارهم عن الحقّ ما نالوه من الدنيا ، بل شروا الحقّ بثمنٍ بخس ؛ تسلية أنفسهم بإخفاء الحقّ والتلبيس على الحمق والوجاهة عندهم .
ثمّ لمّا كان مظنّة أن يقال : الظنّ بالسلف أنّهم مثل أبناء هذه الأزمان بل تجويز ذلك من سوء الظنّ بهم ، فقال عليه السلام : « والحزم مساءة الظنّ » . الحزم : إحكام الأمر وضبطه والأخذ
هامش
( 1 ) . في المصدر : « للتعارف » بالراء المهملة .