( أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ ) يعني أنّ الدنيا طالبة بحلالها المقدّر المتّقين وغيرهم ، مطلوبة بحلالها للمتّقين وبمطلقها لغيرهم .
( وَالْآخِرَةَ طَالِبَةٌ ) بأجَلِها كلّ أحد ، ( وَمَطْلُوبَةٌ ) لأهل الجنّة . أو المعنى أنّ الآخرة طالبة بخيرها المؤمنين ، ومطلوبة لهم .
قال برهان الفضلاء :
ولعلّ النكتة في ترك الواو في الأولى وذكرها في الثانية ، أنّ في الأولى تغاير بين المتعلّقين باعتبار أنّ الدنيا فارغة من طلب الراغبين فيها ، فإنّ الرزق وصل إليهم بزيادة فمثل :
« خافِضَةٌ رافِعَةٌ »
« 1 » في سورة الواقعة ، وفي الثانية اتّحادهما مثل « 2 » :
« هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ »
« 3 » في سورة البقرة .
وقال السيّد السند أمير حسن القائني رحمه الله :
ترك الواو في « أنّ الدنيا طالبة مطلوبة » إشارة إلى أنّ تعدّد الخبر فيه نظير قولهم : « حُلْوٌ حامض » ، وذلك لأنّ الحلو والحامض شيء واحد وهو المزّ ، فكذلك الدنيا حين كونها طالبة مطلوبة ، فكأنّ الطالبيّة والمطلوبيّة للدُّنيا شيء واحد ؛ لأنّ حين كون الدنيا طالبة لمن طلب الآخرة مطلوبة من جهة استيفاء الرزق منها ، بخلاف الآخرة ؛ فإنّها حين كونها طالبة لمن طلب الدنيا ليست بمطلوبة ؛ لأنّ الآخرة إذا طلب طالب الدنيا يأتيه الموت فيفسد عليه دنياه ودينه ، كما هو معلوم من صريح عبارة الحديث .
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
لا يبعد أن يقال : الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله : « الآخرة طالبة ومطلوبة » وتركه في قوله : « الدنيا طالبة مطلوبة » ؛ للتنبيه على أنّ الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبيّة ، فيكون الطالبيّة - لكونها موصوفة - بمنزلة الذات ، فدلّ على أنّ الدنيا من حقّها في ذاتها أن تكون طالبة ، وتكون المطلوبيّة « 4 » - لكونها صفة لاحقة بالطالبيّة « 5 » - من الطوارئ التي
هامش
( 1 ) . الواقعة ( 56 ) : 3 .
( 2 ) . في « ج » : فمثل .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .
( 4 ) . في المصدر : « المطبوبة » .
( 5 ) . في المصدر : « الطالبة » .