قدسه . بأن صار جسماً مصوّراً من ماء عذب وأرض طيّبة ، ثمّ نبت نباتاً حسناً ، ثمّ صار حيواناً ذا عقل هيولاني ، ثمّ صار عقلًا بالملَكَة ، ثمّ عقلًا مستفاداً ، ثمّ عقلًا بالفعل ، ثمّ فارق الدنيا ولحق بالرفيق الأعلى ، وكذلك فعل كلّ مَن شيّعه وتبعه من الأرواح المنشعبة منه المقتبسة من نوره أو المنبجسة من شعاعه ، ويلحق به الجميع ، ويحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى ورجوعه إلى اللَّه تعالى .
فإقباله ، عبارة عن توجّهه إلى هذا العالم الجسماني وإلقائه عليه من شعاع نوره ، وإظهاره الأعيان فيه ، وإفاضته الشعور والإدراك والعلم والنطق على كلّ منها بقدر استعداده له وقبوله منه ، من غير أن يفارق معدنه ويخلّي مرتبته ومقامه في القرب ، بل يرشّح بفضل وجوده الفائض من اللَّه على وجود ما دونه .
وإدباره ، عبارة عن رجوعه إلى جناب الحقّ وعروجه إلى عالم القدس باستكماله لذاته بالعبوديّة الذاتيّة شيئاً فشيئاً من أرض المادّة إلى سماء العقل حتّى يصل إلى اللَّه تعالى ، ويستقرّ إلى مقام الأمن والراحة ، ويُبعث إلى المقام المحمود الذي يغبطه به الأوّلون والآخرون . . . وفي هذا المقام أسرار لا يحتملها أفهام الجمهور ، فلنذرها في سنابلها . « 1 »
الحديث الثاني
روى في الكافي عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَهْلِ « 2 » بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام ، قَالَ : « هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلى آدَمَ عليه السلام ، فَقَالَ : يَا آدَمُ ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ ، فَاخْتَرْهَا وَدَعِ اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ عليه السلام : يَا جَبْرَئِيلُ ، وَمَا الثَّلَاثُ ؟ فَقَالَ : الْعَقْلُ ، وَالْحَيَاءُ ، وَالدِّينُ ، فَقَالَ آدَمُ عليه السلام :
إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام لِلْحَيَاءِ وَالدِّينِ : انْصَرِفَا وَدَعَاهُ ، فَقَالَا : يَا جَبْرَئِيلُ ، إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ ، قَالَ : فَشَأْنَكُمَا ، وَعَرَجَ » .
الهديّة الرابعة عشرة :
هذا الخبر رواه الصدوق أيضاً في الفقيه في أواخر باب نوادر الكتاب عن أبي جميلة
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 53 - 56 .
( 2 ) . في الكافي المطبوع : « سهل بن زياد » .