وقال برهان الفضلاء :
المراد بالحياء هنا عدم التجاوز عن الحدّ بالحكم رأياً وظنّاً وقياساً فيما يجري الاختلاف فيه وفي دليله بلا مكابرة ، أو بادّعاء المكاشفة كالصوفيّة ، قال اللَّه تعالى في سورة الزمر :
« قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » .
« 1 »
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
الظاهر أنّ آدم عليه السلام حين هبوط جبرئيل عليه السلام كان ذا عقل وحياء ودين ، والأمر باختيار واحدة من ثلاث لا ينافي حصولها . وقول جبرئيل عليه السلام للحياء والدِّين بعد اختيار العقل :
« انصرفا » لإظهار ملازمتهما للعقل بقولهما « 2 » : « إنّا أمرنا أن نكون مع العقل » . ولعلّ الغرض من ذلك أن يتنبّه آدم عليه السلام لعظمة « 3 » نعمة العقل ، ويشكر اللَّه على إنعامه . « 4 »
الحديث الثالث
روى في الكافي بإسناده عن : أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : مَا الْعَقْلُ ؟ قَالَ : « مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمنُ ، وَاكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ » . قَالَ : قُلْتُ : فَالَّذِي كَانَ فِي مُعَاوِيَةَ ؟ فَقَالَ : « تِلْكَ النَّكْرَاءُ ، تِلْكَ الشَّيْطَنَةُ ، وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْعَقْلِ وَلَيْسَتْ بِالْعَقْلِ » .
هديّة :
لا يُعبد الرحمن إلّابالمعرفة الدينيّة ، وقد عرفت أنّها لا تحصل إلّابطاعة مفترض الطاعة العاقل عن اللَّه سبحانه . فردّ كسابقه على المذكور « 5 » في بيانه .
والمشار إليه ل ( تلك ) : الخصلة ، أو الطبيعة ، أو ما تنا كلهما « 6 » .
هامش
( 1 ) . الزمر ( 39 ) : 46 .
( 2 ) . ما أثبتناه من المصدر وهامش « الف » . وفي « الف » و « ب » : لقولهما .
( 3 ) . في المصدر : « بعظم » .
( 4 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 45 .
( 5 ) . في « ب » و « ج » : على ما ذكر .
( 6 ) . في « ب » و « ج » : - « أو الطبيعة أو ما تناكلهما » .