وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
العقل يطلق على حالة في النفس داعيةٍ على اختيار الخير والنّافع ، بها يدرك الخير والشرّ ، ويميّز بينهما ، ويتمكّن من معرفة أسباب المسبّبات وما ينفع فيها وما يضرّ ، وبها يقوى على زجر الدواعي الشهوانيّة والغضبيّة ودفع الوساوس الشيطانيّة .
ويقابله الجهل ، ويكون بفقد أحد الأمور ، وبفقد أكثرها ، وبفقد جميعها .
وقد يُطلق العقل ويُراد به قوّة إدراك الخير والشرّ والتميّز بينهما ، والتمكّن من معرفة أسباب الأمور ذوات الأسباب ، وما يؤدّي إليها ، وما يمنع منها . والعقل بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب . والعقل بالمعنى الأوّل « ما عُبد به الرحمان واكتسب به الجنان » . ولعلّ الأوّل هو الكامل من الثاني ، فتبادر عند الإطلاق ، وشاع استعماله فيه .
وفي الحديث الأوّل من هذا الباب استعمل في الثاني وأشير إلى أنّ كماله لا يكون إلّا فيمن أحبّ . وفي الحديث الثاني والثالث استعمل في الكامل ، يعني المعنى الأوّل . وفي بعض الأحاديث التالية لها استُعمل في الأوّل ، وفي بعضها في الثاني ، يعرف بالتدبّر .
وقد يُطلق العقل على أوّل مخلوق من الرّوحانيّين كما ينطق به الأحاديث الواردة عن المعصومين ووافقها كلمة الكَلَمَة من الحكماء المحقّقين .
فإن صحَّ القول بثبوته للنفس - على ما قاله المحقّقون من أنّ نسبته إلى النفس كنسبة النفس إلى البدن ، وقالوا للنفس : إنّها صورة البدن ، وأنّ « الناطق » الذي هو فصل الإنسان ، وصورته التي هي « النفس » مختلفان باعتبار اللابشرطيّة وشرط اللائيّة ، كما أنّ الحيوان الذي هو الجنس ، والبدن الذي هو المادّة مختلفان بالاعتبارين المذكورين ، وإذ لم يبالوا بإطلاق التوصيف مع الاختلاف بالمفارقة والمقارنة بين النفس والبدن لمجرّد التعلّق الخاصّ بينهما ، فكيف مع الاتّفاق في التجرّد الذاتي كما في النفس والعقل - فلا يستبعد « 1 » حمل العقل في الأحاديث الدالّة على اتّصاف النفس به ، وكونِه حالة لها على ذلك الروحاني المخلوق أوّلًا . وكثير من أحاديث هذا الباب يؤيّد ذلك ويقوّيه . . . .
و « إقبال العقل » عبارة عن توجّهه إلى المبدأ ، و « إدباره » عبارة عن توجّهه إلى
هامش
( 1 ) . جواب لقوله : « فإن صحّ القول . . . » .