إذا عرفت هذا فنقول : لعلّ المراد أنّ الناس مختلفون في الاستعدادات والقابليّات ، والعقول والأخلاق ، كاختلاف المعادن ؛ فإنّ بعضها ذهب ، وبعضها فضّة ، وبعضها غير ذلك ، فمن كان يظهر منه في الجاهليّة آثار العقل والإنصاف والمروّة والأخلاق المرضيّة ، فهو يسرع إلى قبول الحقّ في الإسلام ، ويتّصف بمعالي الأخلاق ، ويجتنب عن الأوصاف الرذيلة والأعمال الدنيّة بعد المعرفة بها .
ويحتمل أن يكون المراد أنّ الناس متفاوتون في شرافة النسب والحسب كاختلاف المعادن ؛ فمن كان في الجاهليّة من أهل بيت شرف ورفعة ، فهو في الإسلام أيضاً يكون من أهل الرفعة والشرف بقبول الدِّين وانقياد الحقّ والتخلّق بكرائم الأخلاق ، فشبّههم عليه السلام باعتبار قابليّتهم واستعدادهم في الجاهليّة بما يكون في المعدن قبل استخراجه ، وبعد دخولهم في الإسلام بما يظهر من كمال المعدنيّات ، ونقصها بعد العمل فيها .
وقيل : المراد أنّ فيهم مبدأ الإيمان والكفر ، وأصل الطاعة والمعصية ، وغير ذلك من الخواصّ والآثار ، والخيرات والشرور ، وهي فيه كالنخلة في النواة ، والنار في الحجر ، كما أنّ في المعادن ذهباً وفضّة ، وجيّداً ورديئاً ، كلّ ذلك يظهر بالتمحيص والتجربة والامتحان .
وهذا الوجه قريب بما ذكرناه أوّلًا .
وقيل : لعلّ المراد أنّ من له في علم اللَّه أصل الإيمان ، ومادّته في الجاهليّة ، فله ذلك بعد الإسلام ، وهو يؤمن به ، ومن له مادّة الكفر فيها ، فله ذلك بعده ، وهو يكفر به . والغرض إظهار البُعد بين حال المؤمن وحال الكافر .
قال : ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى تقدّم بني هاشم على غيرهم في الشرف والمنزلة في الجاهليّة والإسلام ؛ فإنّ شرفهم في الجاهليّة أيضاً مشهور ، فمكارم أخلاقهم لا يدفعها دافع . « 1 » الحديث الثامن والتسعون والمائة
متن الحديث الثامن والتسعين والمائة
سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ « 2 » ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ :
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 218 .
( 2 ) . السند معلّق كسابقه .