وهذا إشارة إلى قوله تعالى في مواضع من الكتاب الكريم ؛ منها قوله جلّ طَوله :
« وَالْجِبالَ أَوْتاداً »
« 1 » ، ومنها قوله :
« وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ »
« 2 » . قال المبرّد :
« أي منع الأرض أن تميد » . وقيل : أي لئلّا تميد . وقيل : كراهة أن تميد . « 3 » وقال بعض المفسّرين :
الميد : الاضطراب بالذهاب في الجهات الثلاث . وقيل : إنّ الأرض كانت تميد وتضطرب ، وترجُف رجوفَ السقف بالوطئ ، فثقّلها اللَّه بالجبال الرواسي ؛ ليمتنع من رجوفها .
وروت العامّة عن ابن عبّاس أنّه قال : « إنّ الأرض بسطت على الماء ، فكانت تكفأ بأهلها ، كما تكفأ السفينة ، فأرساها اللَّه تعالى بالجبال » . « 4 » وقال بعض المحقّقين :
المراد بالأرض قطعاتها وبقاعها ، لا مجموع كرة الأرض . ويكون الجبال أوتاداً لها أنّها حافظة لها عن الميدان والاضطراب بالزلزلة ونحوها ، إمّا لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن اللَّه تعالى ، أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها ومُنشئها .
وأيّده بما روي في الأخبار : « أنّ ذا القرنين لمّا انتهى إلى السدّ ، جاوزه ، فدخل الظلمات ، فإذا هو بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع . فقال له ذو القرنين :
مَن أنت ؟ قال : أنا ملك من ملائكة الرحمن ، موكّل بهذا الجبل ، فليس من جبلٍ خلقه اللَّه - عزّ وجلّ - إلّاوله عِرق إلى هذا الجبل ، فإذا أراد اللَّه - عزّ وجلّ - أن يزلزل مدينة ، أوحى إليَّ ، فزلزلتها » . « 5 »
وقوله : ( فشمخت ، واستطالت ) .
شمخ ، كمنع : علا ، وطال . وشمخ الرجل بأنفه : تكبّر .
ولعلّ المعنى الأخير هنا أنسب ، وإن أريد الأوّلان فالعطف للتفسير ، أو من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ ؛ فإنّ الفعل مع الطلب أقوى منه بلا طلب .
هامش
( 1 ) . النبأ ( 78 ) : 7 .
( 2 ) . النحل ( 16 ) : 15 .
( 3 ) . انظر : بحار الأنوار ، ج 57 ، ص 101 .
( 4 ) . انظر : مرآة العقول ، ج 25 ، ص 360 .
( 5 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 250 ؛ وج 57 ، ص 107 .