وقيل : مراقبته تعالى محافظة القلب له ، ومراعاته في السرّ والعلانية ، وهي ثمرة العلم بأنّه تعالى مطّلع على الضمائر والسرائر ، وهذا العلم إذا استقرّ في القلب يجذبه إلى مراعاته في جميع الأهوال ، وثمرته التعظيم والإجلال ، واشتغال القلب بملاحظة الكبرياء والجلال ، وصرف الظواهر إلى الأعمال الصالحة . « 1 »
وقوله : ( أهبطتك ) أي أنزلتك بإهباط أبيك ، أو بإهباط روحك .
والغرض من أمثال تلك الفقرات التنبيه على نفاذ أمره تعالى ، وإمضاء حكمه ، وتثبيت كلماته .
وقوله : ( لا يصلح لسانان في فَمٍ واحد ) .
نهاه عن كونه ذا اللسانين بأن يقول عند حضور أحد ما يخالف قوله عند غيبته ، أو يمدحه شاهداً ويُعيبه غائباً ، أو يمزج الحقّ من القول بالباطل منه ، أو ما شابه ذلك .
( ولا قلبان في صدرٍ واحد ) ؛ بأن يكون فيه رغبة إلى الحقّ وإلى الباطل معاً ، أو يميل إلى المؤمن والكافر معاً ، أو محبّة اللَّه ومحبّة أعدائه ، أو محبّة المال والجاه وزخارف الدنيا وشهواتها ، ولا يتصوّر الجمع بين تلك الأضداد إلّابأن يكون لشخصٍ قلبان ، وهو محال .
وهذا نظير قوله تعالى :
« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »
« 2 » . قال البيضاوي : « أي ما جمع قلبين في جوف ؛ لأنّ القلب معدِن الروح الحيواني المتعلّق للنفس الإنساني أوّلًا ، ومنبع القوى بأسرها ، وذلك يمنع التعدّد » . « 3 » ( وكذلك الأذهان ) .
في القاموس : « الذِهن ، بالكسر : الفهم ، والعقل ، وحفظ القلب ، والفِطْنة - ويحرّك - والقوّة » . « 4 » ويفهم من التشبيه أنّ ذكر اللسان والقلب كالتوطئة والتمهيد لذكر الأذهان ؛ أي كما لا يصلح تعدّد اللسان في فم واحد ، ولا القلب في صدر واحد ، كذلك لا يصلح أن يجتمع شيئان متضادّان وخيالان متبائنان في قلب واحد ، بحيث يصيران منشأين لُامور مختلفة متضادّة ، كالتوجّه إلى إدراك الآخرة ، وتحصيل أسباب النجاة فيها ، والتوجّه إلى إدراك الدُّنيا ،
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 113 .
( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 4 .
( 3 ) . تفسير البيضاوي ، ج 4 ، ص 362 .
( 4 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 226 ( ذهن ) .