وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ ، فَرَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْمُسْلِمُونَ قِيَامٌ عَلى شَفِيرِ الْوَادِي يَنْتَظِرُونَ مَتى يَنْقَطِعُ السَّيْلُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْمِهِ : أَنَا أَقْتُلُ مُحَمَّداً ، فَجَاءَ ، وَشَدَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِالسَّيْفِ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ يُنْجِيكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ : رَبِّي وَرَبُّكَ ، فَنَسَفَهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَنْ فَرَسِهِ ، فَسَقَطَ عَلى ظَهْرِهِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ، وَأَخَذَ السَّيْفَ ، وَجَلَسَ عَلى صَدْرِهِ ، وَقَالَ : مَنْ يُنْجِيكَ مِنِّي يَا غَوْرَثُ ؟ فَقَالَ :
جُودُكَ وَكَرَمُكَ يَا مُحَمَّدُ . فَتَرَكَهُ ، فَقَامَ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَكْرَمُ » .
شرح
قوله : ( أبان ) بمنزلة العطف على السند السابق ، وحاله كحاله .
وقوله : ( شدّ ) .
قال الجوهري : « شدّ عليه في الحرب يشدّ شدّاً ، أي حمل عليه . والشدّ : العَدْو ، وقد شدّ ، أي عدا » . « 1 »
وقوله : ( فنسفه ) أي قلعه . يُقال : نَسَفَ البناء ، كضرب ، إذا قلعه من أصله .
وقوله : ( يا غَورَث ) .
قال الفيروزآبادي : « غَوْرَثُ بن الحارث ، سلَّ سيفَ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ليفتك به ، فرماه اللَّه بزلخة بين كتفيه » . « 2 »
وقوله : ( جودك وكرمك ) .
قيل : كان صلى الله عليه وآله شديداً في المؤاخذة بحقّ اللَّه تعالى ، وسليماً صبوراً حليماً في المؤاخذة بحقّ نفسه ، وهذا هو الخُلق الحسن المحمود ؛ لأنّه لو ترك القيام في حقّ اللَّه تعالى ، كان ذلك مهانة ، ولو انتقم لنفسه ، لم يكن ثمّة صبر ، وكان هذا الخلق بطشاً ، فانتفى عنه الطرفان ، وبقي الوسط ، وهو العدل . « 3 »
وقوله : ( وهو يقول ) . الضمير راجع إلى « غورث » .
( لأنت خيرٌ منّي وأكرم ) .
هذا الكلام لا يدلّ على إيمانه ، ولكن روى الواقدي في تفسير قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ
هامش
( 1 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 492 ( شدد ) .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 171 ( غرث ) .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 83 .