أَلَا وَمَنْ عَرَفَ حَقَّنَا ، أَوْ رَجَا « 1 » الثَّوَابَ بِنَا ، وَرَضِيَ بِقُوتِهِ نِصْفَ مُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ ، وَمَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ ، وَمَا أَكَنَّ بِهِ رَأْسَهُ ، وَهُمْ مَعَ ذلِكَ وَاللَّهِ خَائِفُونَ وَجِلُونَ ، وَدُّوا أَنَّهُ حَظُّهُمْ مِنَ الدُّنْيَا ، وَكَذلِكَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حَيْثُ يَقُولُ :
« وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ »
« 2 » ، مَا الَّذِي أَتَوْا بِهِ ، أَتَوْا وَاللَّهِ بِالطَّاعَةِ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالْوَلَايَةِ ، وَهُمْ فِي ذلِكَ خَائِفُونَ أَنْ لَايُقْبَلَ مِنْهُمْ ، وَلَيْسَ وَاللَّهِ خَوْفُهُمْ خَوْفَ شَكٍّ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ إِصَابَةِ الدِّينِ ، وَلكِنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَصِّرِينَ فِي مَحَبَّتِنَا وَطَاعَتِنَا » .
ثُمَّ قَالَ : « إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَاتَخْرُجَ مِنْ بَيْتِكَ فَافْعَلْ ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ فِي خُرُوجِكَ أَنْ لَاتَغْتَابَ ، وَلَا تَكْذِبَ ، وَلَا تَحْسُدَ ، وَلَا تُرَائِيَ ، وَلَا تَتَصَنَّعَ ، وَلَا تُدَاهِنَ » .
ثُمَّ قَالَ : « نَعَمْ ، صَوْمَعَةُ الْمُسْلِمِ بَيْتُهُ ، يَكُفُّ فِيهِ بَصَرَهُ وَلِسَانَهُ وَنَفْسَهُ وَفَرْجَهُ ، إِنَّ مَنْ عَرَفَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ اسْتَوْجَبَ الْمَزِيدَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ شُكْرَهَا عَلى لِسَانِهِ ، وَمَنْ ذَهَبَ يَرى أَنَّ لَهُ عَلَى الْآخَرِ فَضْلًا ، فَهُوَ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ » .
فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّمَا يَرى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلًا بِالْعَافِيَةِ إِذَا رَآهُ مُرْتَكِباً لِلْمَعَاصِي ؟
فَقَالَ : « هَيْهَاتَ ، هَيْهَاتَ ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا أَتى ، وَأَنْتَ مَوْقُوفٌ مُحَاسَبٌ ؛ أَ مَا تَلَوْتَ قِصَّةَ سَحَرَةِ مُوسى عليه السلام ؟ » .
ثُمَّ قَالَ : « كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِمَا قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَكَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ يَسْتُرُ « 3 » اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ » .
ثُمَّ قَالَ : « إِنِّي لَأَرْجُو النَّجَاةَ لِمَنْ عَرَفَ حَقَّنَا مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لِاحَدِ ثَلَاثَةٍ : صَاحِبِ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ، وَصَاحِبِ هَوًى ، وَالْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ » .
ثُمَّ تَلَا :
« قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ »
« 4 » . ثُمَّ قَالَ : « يَا حَفْصُ ، الْحُبُّ أَفْضَلُ مِنَ الْخَوْفِ » .
ثُمَّ قَالَ : « وَاللَّهِ مَا أَحَبَّ اللَّهَ مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا ، وَوَالى غَيْرَنَا ، وَمَنْ عَرَفَ حَقَّنَا وَأَحَبَّنَا فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى » .
فَبَكى رَجُلٌ ، فَقَالَ : « أَ تَبْكِي ، لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّهُمُ اجْتَمَعُوا يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ -
هامش
( 1 ) . في الحاشية عن بعض النسخ والوافي : « ورجا » .
( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 60 .
( 3 ) . في كلتا الطبعتين : « بستر » .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) : 31 .