فقوله عليه السلام : « قلوب المؤمنين » مرفوع على الفاعليّة ، أو منصوب على المفعوليّة ؛ أي إبصار قلوب المؤمنين ، وإدراكهم للمعارف الربّانيّة إنّما هو بما جعل فيها من نوره ، وأفاض عليها من هدايته ، وتجلّى لها من عظمته .
( وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ) ؛ يعني عظم شأنه ، وجلالة قدره ، ودوام ظهوره على الأشياء صار سبباً لإنكار الجاهلين إيّاه ؛ لأنّ وجود الشيء بعد عدمه ، وعدمَه بعد وجوده سبب لعلم القاصرين بإسناد أثر ما يعدم عند عدمه إليه .
وبعبارة أخرى ؛ لأنّ المؤثّر ما لم يكن له زوال أو غيبة بعد ثبوته وظهوره وانعدام أثره بهما لم يتبيّن للقاصر الجاهل بطرق الاستدلال أنّ الأثر مستند إليه ، كما أنّ الشمس لو لم يكن لها غروبٌ لأنكر الجاهل كون ضياء العالم بالشمس ، فلمّا صار الهواء بعد غروبها مظلماً حكم بكون الضوء منها . وكذلك شمس عالم الوجود لاستمرار إفاضته وبقاء هذا النظام به ، يقول الجاهل : لعلّ هذا الصنع حدث بلا صانع ، وهذا النظام انتظم بلا مدبّر ، وكذا عظمته منعت العقول عن الإحاطة به ، فتحيّروا فيه ، وأثبتوا له ما لا يليق بجناب ذاته المقدّسة وصفاته .
قيل : ويحتمل أن يكون المراد أنّ كثرة النور تمنع عن إدراك القاصرين ، وفرط الظهور يغلب على مدارك العاجزين ، فكما أنّ الخفّاش لضعف بصره لا ينتفع بنور الشمس ، فكذا الأذهان القاصرة لضعفها يغلب عليها نوره الباهر ، فلا تحيط به .
وبعبارة أخرى : لمّا كان تعالى في غاية الرفعة والنور والعظمة والجلال ، والجاهلون في غاية الانحطاط والنقص والعجز ، فلذا بعدوا عن معرفته ؛ لعدم المناسبة ، فأنكروه ، وحصل بينه تعالى وبينهم بونٌ بعيد ، فجحدوه ، فَضَعْفُ بصيرتهم حَجَبهم عن أنوار جلاله ، ونقصهم منعهم عن إدراك كماله . « 1 » ( وبعظمته ونوره ابتغى . . . ) .
قيل : هذه الفقرة قريبة في المآل من الفقرة السابقة ، وحاصلها : أنّ عظمته ونوره وظهوره دعت العباد إلى الإقبال إلى جنابه ، لكن لفرط نوره وعظمته ، ووفور جهلهم وعجزهم صاروا
هامش
( 1 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 296 .